صلاة الجمعة - الجلسة 70
- بتاريخ 15 شعبان 1447
خلاصات الملاحظات
الرّوایة التّالیة الموهومة لتعیینیّة الجمعة المُهِمّة
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
الرّوایة التّالیة الموهومة لتعیینیّة الجمعة المُهِمّة
لقد تدارَسنا الرّوایات العددیّة الّتي قد زعمها البعض دالّةً علی «تعیینیّة الجمعة» و أمّا الفئة الأخری الّتي قد أحضَروها «لتسجیل تعیینیّة الجمعة» أیضاً -حتّی فترةِ الغیبة- حیث قد استَعرضها الشّیخ الحائريّ قائلاً:
1. «و ما عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة الجمعة (قال): «الحمد للّه الوليّ الحميد، و الجمعة واجبة على كلّ مؤمن، إلّا على الصّبيّ و المريض و المجنون و الشّيخ الكبير و الأعمى و المسافر و المرأة و العبد المملوك و مَن كان على رأس فرسخَين».[1]
و لکنّ المحقّق البروجرديّ قد ردَع مُدّعاهم قائلاً:
«و عدم كون الرّواية بصدد بيان وجوب العقد فضلاً عمّن يجب عليه ذلك (مطلقاً: تعییناً غیبةً أو حضوراً) بيِّنٌ لا يَدخله ريب فإنّه عليه السّلام كان بنفسه يَعقِد الجمعةَ و يُقيمها حينما صدر عنه هذه الخطبة، و ليس بصدد بيان الوظيفة لنفسه أو لعُمّاله (بأن یَعقِدوها أیضاً) بل بصدد بيان وظيفة النّاس (وفقاً لنُطق الرّوایة: «علی کلّ مؤمن») بالنّسبة إلى الجمُعات الّتي كانت تنعقد بشرائطها، أعني وجوبَ الحضور و السّعي إليها، و نحوُها الأحاديثُ النّبويّة الدّالّة على وجوب الجمعة و حثِّ النّاس عليها، فإنّ المتصدّي لعقدها في زمن الرّسول صلّى الله عليه و آله كان نفسَه الشّريفة (فسنظهر وجوب السّعي إلی صلاة الّتي أقامها الرّسول).»[2]
و لکن سنُنازع هذه الاستظهاریّة:
· أوّلاً: لا تُجرح شخصیّة المعصوم لو أدرَج نفسه ضمن وظائف النّاس أیضاً فلا یُقدَح لو حَدَّد تکلیفه أمامَهم إذ نَمتلک نماذِجَ من هذا النّمَط حیث یُصرِّح: «أوصیکم و نَفسي بتقَوی الله» فبالتّالي قد ضَمَّ الإمام نفسَه إلی الخطاب الوجوبيّ -علی کلّ مؤمن- سواءٌ إعقاداً و حضوراً و غیبةً.
· ثانیاً: رغمَ أنّ هذه المَرویّات تُوازِن آیةَ: «أحل الله البیع» و أشباهها بحیث قد شرَّعت أصل وجوب الجمعة و لکنّها لم تتصدّ لتشریح شروط الجمعة و جزئیّاتها کلزوم الانطلاق نحوَ المنعقِدة حتّی فترة الغیبة، و حیث لم تتوفَّر مقدّمات الحکمة فلم یَتولَّد الإطلاق إذن، بل قرینیّة تناسب الحکم و الموضوع ستُبدي معنی «أصل الوجوب و أهمیّتها» فحسب، و أمّا النّماذِج المستَثناة ستُحکِّم استظهارَنا أیضاً بأنّ الجمعة لم تَتوجَّب علی هؤلاء المأمومین، فبالتّالي لا تُدلِّل علی لزوم الحضور و القُدوم إلیها.
· ثالثاً: لو تنزَّلنا و افترضناها مطلقةً -تعیینیّةً حضوراً و غیبةً- لَأصبحت روایات «شرطیّة المعصوم للجمعة» -25 روایةً- حاکمةً -بالتّضییق- علی أمثال هذه الرّوایات المطلَقة -فرضیّاً- بحیث ستَتقیَّد هذه المطلَقات -المزعومة- بحضور المعصوم و إعقاده حتماً، فبالتّالي لا نتخرَّج بوجوبها التّعیینيّ إذن.
2. و صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و فيه: «الجمعة واجبة على كلّ أحد لا يُعذَر النّاسُ فيها إلّا خمسة: المرأة و المملوك و المسافر و المريض و الصّبيّ»[3]
و قد فسَّرها المحقّق البروجرديّ کالماضي ثمّ تعقَّبه أیضاً المحقّق الخوئيّ قائلاً:
«و هذه هي الرّواية الّتي أشرنا إلى إبائها عن الحمل على الوجوب التّخييريّ، فإنّ التّعبير «بعدم المعذوريّة» إنّما يصِحّ بالإضافة إلى الواجبات التّعيينيّة (فدلَّلت علی تعیینیَّتها) و إلّا فمَن اختار أحدَ عدلَي الواجب التّخييريّ فهو معذور في ترك الآخر، فلا يصِحّ في حقّه مثل هذا التّعبير الّذي هو كالنّصّ في الوجوب التّعيينيّ كما عرفت.
Ø و الجواب: أنّ الاستدلال بها موقوف على أن يكون متعلَّق الوجوب في قوله «الجمعة واجبة..» إلخ هي الإقامة نفسُها دون الحضور و السّعي إليها بعد فرض الانعقاد و تحقّق الإقامة خارجاً (فحینئذ ستَتوجَّب) و (لکنّ) الظّاهر من الصّحيحة بل المتعيِّن هو الثّاني «بقرينة استثناء المسافر» إذ السّاقط عنه إنّما هو الحضور دون المشروعيّة و أصل الوجوب، و إلّا فهي مشروعة منه لو أحَبَّ الحضور و رَغِب فيه، بل هي أفضل من اختيار الظّهر، و ثوابُها أعظم من الجمعة الّتي يقيمها المقيم كما أُشير إليه في بعض الأخبار[4] فلا يصِحّ الاستثناء[5] لو كان النّظر إلى أصل الإقامة دون الحضور لثبوتها في حقّه كالحاضر، كما لا يصِحّ استثناء مَن كان على رأس فرسخين الوارد في غير واحد من الأخبار -و قد تقدّم بعضها- إذ هو إنّما يتَّجِه لو كان الواجب هو الحضور في البلد الّذي تقام فيه الجمعة فيرفع الحكم عنهم إرفاقاً كي لا يتحمَّلوا مشِقّةَ الحضور من مساكنهم، و إلّا فلو كانت الإقامة بنفسها واجبة تعييناً كان اللّازم على البعيدين عقدَها في أماكنهم مع اجتماع الشّرائط، إذ لا فرق في الوجوب التّعيينيّ بين القريب و البعيد فلم يكن مجال لاستثنائهم، و كذا الحال في الاستثناء حال نزول المطر كما ورد به النّصّ الصّحيح[6] فإنّه إنّما يتَّجه لو كان الواجب هو الحضورَ بعد الانعقاد، و إلّا فوجوب العقد و الإقامة تعييناً لا يكاد يسقط بمثل هذه الأحوال و العوارض كما في سائر الفرائض، و يؤيِّده: استثناءُ المرأة و المملوك في هذه الصّحيحة و غيرها، فإنّ المشروعيّة[7] ثابتة في حقّهما أيضاً لو رَغِبا في الحضور كالمسافر على ما نطَقت به بعض الأخبار[8] و إن كان سندها لا يخلو عن خدش، و إنّما السّاقط عنهما وجوب الحضور، و بالجملة: سياق الرّواية بمقتضى القرائن الدّاخليّة و الخارجيّة يشهد بأنّها في مقام بيان وجوب الحضور بعد العقد و النّظر في عدم المعذوريّة إلى ذلك، و لا خفاء في دلالتها على الوجوب التّعيينيّ في هذه المرحلة (لو انعقدت) لا إلى الإقامة ابتداءً كي تدلّ على وجوب العقد تعييناً، و من هنا يتّجه التّفصيل بين العقد و الانعقاد، فلا يجب في الأوّل و يجب الحضور تعييناً في الثّاني.»[9]
و لکنّ الشّیخ الحائريّ قد ألَحَّ علی وجوبها التّعیینيّ فأجاب قائلاً:[10]
«و لَعمري إنّه خال عمّا يقتضي توهّم عدم الإطلاق و مع ذلك فقد أُورد عليه (المحقّقَین البروجرديّ و الخوئيّ) بأنّه في مقام بيان وجوب حضور الجمعة المنعقدة لا عقدها و إقامتها، و لا أدري من أين صحّ هذا التّقييد (بحضور المنعقِدة) من دون أن يكون الكلام مقترناً بما يصلح قرينيَّتُه عليه.»
و لکنّ نَردَعه بأنّ المحقّق الخوئيّ قد استَذکر قرینیّةَ استثناء المسافر و الأبعَد من فرسخین «عن الحضور» بأنّهما معذوران عن الحضور بینما لو حضَرا في المنعقِدة رَغبةً لما بطَلت صلاتهما إذ لم یُبطِلها الإمام بل قد عذَّرهما فحسب، فبالتّالي لا تَتکفَّل هذه الرّوایة إیجابَ إعقادها تعییناً بل تَستوجبها شریطةَ انعقادها و توفّرِ بقیّة شروطها -کحضور المعصوم-.
«و لا يمكن أن يقال: إنّ ما هو الواجب مطلقا هو الجمعة الواجدة لجميع الأجزاء و الشرائط، فلو شك في شرطيّة شيء لم يمكن التمسّك بالإطلاق، على ما هو المعروف من كون الألفاظ حقيقة في الصحيح، أو فرض الانصراف إلى الصحيح، لأنّ المبني ممنوع، و الألفاظ موضوعة للأعمّ. مع أنّه يمكن أن يقال: إنّه ليس المقصود أنّ الواجب على كلّ أحد هو الجمعة الواجدة لشرائط الواجب و الوجوب، فإنّ وجوبها حينئذ ضروريّ و لا يكون موردا للاستثناء. فالواجب هو الجمعة الصحيحة، مع قطع النظر عن شرائط الوجوب، فهي واجبة على كلّ أحد، و من ذلك من ليس إمامه المعصوم أو المنصوب من قبله، و بالجملة، لا فرق في جواز التمسّك بالإطلاق بين ما إذا كان العدد سبعة مثلا و شكّ في لزوم الزّائد، و بين ما إذا كان الشكّ من جهة فقد المعصوم و المنصوب، و بين ما إذا كان الشكّ من جهة راجعة إلى نفس المكلّف مع فرض وقوع الجمعة صحيحة، كما لو كان أعرج مجاورا للجامع، فإنّ العرف لا يرى فرقا بين الموارد المذكورة في التمسّك بالإطلاق»
-------------------------------
[1] وسائل الشيعة ج 5 ص 3 ح 6 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.
[2] بروجردی، حسین. محرر حسینعلی منتظری. ، البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص۲۴ مکتب آية الله العظمی المنتظري
[3] وسائل الشيعة ج 5 ص 5 ح 16 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.
[4] الوسائل ٣٣٩:٧ /أبواب صلاة الجمعة ب ١٩ ح ٢.
[5] بل يصح على التقديرين، فان وجوب الإقامة شيء و المشروعية شيء آخر، و لا مانع من أن تكون الصلاة مشروعة في حق المسافر و مع ذلك لم تجب عليه الإقامة و لا الحضور بعدها.
[6] الوسائل ٣٤١:٧ /أبواب صلاة الجمعة ب ٢٣ ح ١.
[7] قد عرفت أن المشروعية غير وجوب الإقامة.
[8] الوسائل ٣٣٧:٧ /أبواب صلاة الجمعة ب ١٨ ح ١.
[9] خوئی سید ابوالقاسم. موسوعة الإمام الخوئي. Vol. 11. ص29-30 قم - ایران: مؤسسة إحياء آثار الامام الخوئي.
[10] صلاة الجمعة (للحائري)، ص: 133
ساعد على توسيع الكلمات المفتاحية للدروس
خلاصات الملاحظات
الرّوایة التّالیة الموهومة لتعیینیّة الجمعة المُهِمّة
رأيك