سؤال وجواب
اطرح سؤالككثرة المشاكل والإبتلاء بالمصائب والفتن
بتاريخ 21 جمادی الثانی 1434 & الساعة 19:02
الحقیقة هي أنني قد تعبت من کثرة المشاکل والابتلاء بالمصائب والفتن، فوصل بي الحال إلی حد الكفر، وأنا لا أدري ماذا أفعل. وکلما أردت أن أقلل من مأساتي ومشاکلي، سارت بي الأکور إلی أسوأ، وقد زاحمکتم عدة مرات، وذکرتم لي عدة طرق أیضاً، ولکنها لم تؤثر أبداً. فأصبحت عاجزاً عن التفکیر بأي شيء، حتی زاحمتکم مرة أخری، وکنتم آخر طریق قد تبقی لي، فأنا لست إنساناً قلیل الصبر والتحمل، أهرب بسرعة من المواجهة، و لکنني وصلت إلی خط النهایة، فإن کنتم تفکرون بحل لي، أرجوکم أن تذکروه لي . و شکراً
إن ما نقدر أن نقوله لکم هو: أنتم لستم وحدکم عندکم هذه المشاکل، بل إن کل من خلق في هذه الدنیا له مشاکل وابتلاء. ما هو سبب المشاکل؟ ورد في جملة من آیات القرآن الکریم و الروایات المرویة والمستفیضة عن أهل بیت العصمة والطهارة علیهم السلام، أن سبب الابتلاءات التي تحصل للمؤمنین إما بسبب ما یصدر منهم من أفعال عفویة خاطئة وبریئة، أو هي امتحانات واختبارات إلهیة، أو لأجل رفعتهم و علو شأنهم في أعلی الدرجات في الجنة.
وإلیك هذا الإیضاح الموجز لکل من هذه المفردات:
الف) قد یرتکب الانسان بعض الزلات والأخطاء ینتج عنها بعض الابتلاءات والمحن في الحیاة الدنیا، فلکل ذنب ومعصیة أثرها الخاص بها،فبعضها ینتج عنها الفقر، وبعضها الآخر ینتج عنها ابتلاءات و محن آخری، کما أشار إلیه الامام علي(ع) في دعاء كميل قال علیه السلام:« اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِكُ الْعِصَمَ،اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ،اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ الدُّعَاءَ،اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ الْبَلاء»، وعلی أي حال، هذه الابتلاءات والمحن إنما هي کعقوبة علی ذنوبه وآثامه ومعاصیه، وبما أن الله یحب عبده المؤمن، فقد یبتلیه بسبب بعض هذه الذنوب والمعاصي، فتکون عقوبة هذه الذنوب والمعاصي في هذه الدنیا، ویخفف من وزرها في الآخرة، وهذا هو بنفسه من ألطاف الرحمة الالهیة الکبیرة بالعبد المؤمن، أما من یشمله الغضب الالهي، فبدل أن یعاقب بالابتلاءات والمحن في کثیر من الموارد، یزید له في نعمته، لیبتلی في النهایة بالعذاب الألیم في الآخرة.
ب) الامتحانات الالهية
قد تکن الابتلاءات والمحن للامتحان والاختبار الالهي، فمن السنن الکونیة والقوانین الالهیة الثابتة أن یمتحن المؤمنین، کما أشار القرآن الكريم في آيات عدیدة لهذه المسألة، فعلی سبیل المثال: قال لله سبحانه وتعالی في محکم کتابه المجید:« لتُبْلَوُنَّ في أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ» (آل عمران:186).
وقال أیضاً:«و لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الاَمْوالِ وَ الأَْنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ» (البقرة:155)؛ وقال کذلك:«أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون...»(العنكبوت1-3).
إذاً،لیس للامتحانات والابتلاءات الالهیة إطار محدد ومعین، بل أن کل شخص یبتلی و یمتحن تبعاً لحالاته النفسیة والعاطفیة والروحیة، ولهذا قال عزوجل في آية آخری أیضاً: «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ»(الانبياء: 35).
ما هي الحكمة في الامتحانات الالهية ؟
إذا کان الله علام بالأمور، فلیست الامتحانات الالهیة لرفع الجهل عن الأمور، بل لیستعرض المؤمن الخالص قابلیاته وکفاءاته، ویظهر استعداداته الباطنیة، فیمتحنه الله عزوجل، إذ إن من الحکم الالهیة إخلاص الانسان المؤمن وإظهار جوهره الإیماني الناصع، فکما أن الذهب إذا صهر بالنار، لتزال منه شوائبه و تظهر ونزاهته في کورة النار، فیبدو منه الذهب الخالص، فکذلك الإنسان المؤمن، إذ یصف الله عزوجل عمل الانسان بکورة البلاء والمحن، لیکون إیمانه خالصاً ناصعاً، وکذلك فصل صفوف المؤمنین بصدق عمن ادعوا الایمان کذباً وزوراً و بهتاناً، فکان إسلامهم مجرد لقلقة لسان، وهذا هو أیضاً من الحکم والامتحانات الالهیة، کما قال الامام علي(ع): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَ يُمَيَّزُوا وَ يُغَرْبَلُوا وَ يُسْتَخْرَجُ فِي الْغِرْبَالِ خَلْق».
وعلی هذا، یتعرض المؤمنون تناسباً مع درجات إیمانهم وحالاتهم النفسیة والروحیة إلی امتحانات واختبارات الهیة صعبة، ولا ینبغي لأحد أن یتصور أن طریق الایمان والتدین تحفّ به الریاحین والزهور، ویمرّ عبر الحدائق الغنّاء و الخضراء، بل هو طریق ذات الشوکة، فیضع الإنسان المؤمن علی طول هذا المسیر الطویل الذي أمامه أقدامه علی أعتاب هذه الزهور والریاحین، فیکون هذا التصور علامة علی عدم معرفة ماهیة الایمان والدین، ولقد عشعش و سیطر هذا التفکیر والتصور في أذهان بعض المسلمین الذین عاشوا في مکة أنهم إلی متی سیتحملون هذا العذاب، ویتألمون بسبب إیمانهم بالله الواحد الأحد؟
فأنزل الله عزوجل هذه الآیات لرفع هذه الأوهام عن أفکارهم وتصوراتهم؛ فقال سبحانه وتعالی: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبينَ»(العنكبوت/2-3).
ولعل هذه التصورات الغیر طبیعیة و الغیر مأنوسة قد جعلت أهل الإیمان یتصورون: أنهم لا یمکن أن تعرقل المشاکل طریقهم بعد ذلك أبداً، وحصل هذا النوع من التفکیر في أذهان أهل المدینة أیضاً، فقال الله عزوجل لإبطال هذا التصور الخاطئ: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَريب»(البقرة: 214).
روي: أن معرکة «أحد» انتهت، فکان حصیلتها وقوع الکثیر من القتلی والجرحی، وسقوط سبعین فارساً من صنادید المسلمین وشجعانهم وقادة جیشهم في المعرکة، «ولکي یبین الله سبحانه وتعالی لهم أن طریق الإیمان والتدین هو طریق ذات الشوکة، یمر بالصعاب والابتلاء»أنزل علیهم هذه الآیة المبارکة: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرينَ»(آل عمران:142).
وعلی أي حال، لمسألة الامتحان والاختبار الالهي بحث واسع وطویل، وأحکامه وحکمه کثیرة لا تعد ولا تحصی أیضاً، فالله یبتلي عباده ویفتنهم، کما فتن الانبیاء والرسل من قبل بشدة البلاء والابتلاء والفتن المریرة.
ج) مضاعفة الاجر والثواب المعنوي
وقد یبتلي الله سبحانه وتعالی عباده المؤمنین لیعلم مدی صبرهم علی البلاء فیضاعف من درجاتهم المعنویة. روي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ،قَالَ:ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) الْبَلَاءُ وَ مَا يَخُصُّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَ حُسْنِ أَعْمَالِهِ فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وَ مَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَ ضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ».
و روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِه». وقال الامام الصادق علیه السلام: «إن الله لیبتلي أولیاءه لیثیبهم علی ذلك بالأجر والثواب لما لم یذنبوا».
وفي حديث آخر عن رسول الاسلام (ص) قال:«إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جِسْمِهِ فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ». وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع:«قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلَّا بِالِابْتِلَاءِ فِي جَسَدِهِ».
وبناء علی ما ذکر، علیك أیها الأخ العزیز، أن تفکر في حیاة أناس من البشر الصلحاء ومن لهم کرامة عند الله کالأنبیاء والرسل والأوصیاء علیهم السلام و الأولیاء و عباد الله المؤمنین، وما حلّ علیهم من المحن والبلاء في الدنیا، إو ذلك فیما إذا تعرض غیرهم لمثلها، فتحمّل عبئه ثقیل جداً، وتحملّه صعباً علیهم و شاق.
أنتم سمعتم قصة نبي الله أیوب علیه السلام، وکیف أن الله قد ابتلاه، ففقد ولده و صحته في فترة قصیرة جداً، رغم أنه مقد أصیب بافتقاد الابناء الشباب وهم في مقتبل العمر، وحالة الفقر الشدیدة، وسقم البدن، ولسعة الألسنة النابیة، وسخریة الناس بالنبي أیوب علیه السلام، إلا أنه لم یصدر منه اعتراض أو شکوی علی ذلك، ولم یقل: أي رب،لقد ابتلیتني وامتحنتني، وسأقف في طریقک یوم القیامة، بل کان یشکر ربه في کل حال، فصبر علی قضاء الله وقدره،حتی رفع الله عزوجل عنه کل هذه المحن والابتلاءات العظیمة، فکان علیه السلام سید الصبر والکرامة عند الله، ومثال الصبر والاستقامة عند الناس المؤمنین.
لاحظوا حیاة وسیرة الأئمة من أهل البیت علیهم السلام، فکم عانوا من المحن والابتلاء والبلاء؟ وشاهدوا واقعة کربلاء، فکم من المصائب العظمی والجسام قد مرت علی هذه الذریة الطاهرة من أهل البیت علیهم السلام، ولکن مع کل تلك المصائب والبلاء الذي جری علیهم في کربلاء، کانت أسوة و سیدة الصبر السیدة «زینب الکبری» تتحلی بالصبر، ولم تنبس بشفة اعتراض أبداً، بل قالت علیها السلام تصف ما حل بها بقولها: «ما رأيت إلا جميلا»؛ وحتی في لیلة استشهاد إخوتها وأنصار الإمام الحسین علیه السلام، لم تترک التهجد بنافلة اللیل أبداً.
ففکروا الآن، لعل تعرضکم للمحن والبلوی هو نوع من الامتحان والاختبارالالهي، ولعل فیه جهات أخری أیضاً، ولعل بعض الروایات صرحت بأن خیر العبد في المحنة والابتلاء في الدنیا، واقتضاء حکمته أن یبتلیه ویمتحنه. وتتعلق الاجابة للدعاء و التوسلات ببعض الشروط أیضاً، فإذا لم تتحقق هذه الشروط، فسوف لن یستجاب الدعاء. ویحب الله عزوجل کذلك أن یسمع صوت عبده واستغاثته به، فیکون ذلك سبباً في أن تؤخر استجابة دعوته، وقد یری ربه أن خیره وصلاحه في عدم استجابة الدعاء، فیدخرها له علی أن رفعة و درجة معنویة في عالم الآخرة، وبما أننا نجهل الحکم الالهیة، فقد نتصور أن کل ما نطلبه من الله، علی الله الإجابة؛ وأن یکون الأئمة علیهم السلام واسطة في الإجابة، مع أن هناك حکم-بکسر الحاء وفتح الکاف- أخری نحن نجهلها في هذا العالم أیضاً .
إن الله سبحانه وتعالی لا یبتلي أحداً من دون سبب، فهو یحب عباده أکثر من حب الأم لولدها،حاولوا أن تسیطروا علی أفکارکم، ولا تنخدعوا بالوساوس الشیطانیة،ولا تسودوا صفحتکم الناصعة البیضاء في ارتباطکم مع الله، فما شاهدته في رسالتکم، هي علامات من وساوس الشيطان، الذي یحاول القضاء علی کل ما اکتسبتموه من ثواب وأجر من کل تلك الامتحانات والابتلاءات والمحن التي مررتم بها وعانیتمم من أجلها، لتنسحبوا خاسرین فاشلین من ساحة الامتحان والاختبار الالهي، فلا تلتفتوا إلی وساوسه،فتخسروا في الدنیا والآخرة، ولا تقنطوا من رحمة الله، ولا تفقدوا أملکم به، لأن ذلك ذنب عظیم و من کبائر الذنوب، وقنوط من رحمة الله، وهي تبعد الإنسان عن خیر الدنیا والآخرة، ولا تفقدوا أملکم برحمة الحق، وقووا ارتباطکم وثقتکم بالله في کل حال. فإذا کان ارتباط الانسان وعلاقته بالله سلیمة، وتوکلنا علی الله، فسیبین الله له طریق الخروج من هذه المشاکل، ویهیيء له أسباب رفعها.
ما الدليل على الصعوبات والمشاكل التي يتعرض لها الانسان
بتاريخ 21 جمادی الثانی 1434 & الساعة 18:15
ماالدلیل علی الصعوبات والمشاکل التي یتعرض لها الانسان في الحیاة؟ وما المصلحة له في ذلك؟ ولو لم تکن هذه الابتلاءات والصعوبات والآلام التي یتعرض لها الانسان بهذه السعة فأي مشکلة یمکن أن تحصل جراء ذلك؟
الدنیا دار امتحان ومشقة، لا دار دعة و استکانة و رفاهیة، وقد ورد في الروایات والأخبار أن الدعة والاستکانة والراحة والاطمئنان والسکینة هي کلها متوفرة في الجنة، لکن البشر یبحث عنها في الدنیا، ولن یصل إلیها أبداً، فکل نعمة في الدنیا یصاحبها ابتلاءات و غربلة، فما السبب في ذلك؟
ورد في جملة من آیات القرآن الکریم و الروایات المرویة والمستفیضة عن أهل بیت العصمة والطهارة علیهم السلام، أن سبب الابتلاءات التي تحصل للمؤمنین إما بسبب ما یصدر منهم من أفعال عفویة خاطئة وبریئة، أو هي امتحانات واختبارات إلهیة، أو لأجل رفعتهم و علو شأنهم في أعلی الدرجات في الجنة.
وإلیك هذا الإیضاح الموجز لکل من هذه المفردات:
الف) قد یرتکب الانسان بعض الزلات والأخطاء ینتج عنها بعض الابتلاءات والمحن في الحیاة الدنیا، فلکل ذنب ومعصیة أثرها الخاص بها، فبعضها ینتج عنها الفقر، وبعضها الآخر ینتج عنها ابتلاءات و محن آخری، کما أشار إلیه الامام علي(ع) في دعاء كميل قال علیه السلام: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ الدُّعَاءَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ الْبَلاء»، وعلی أي حال، هذه الابتلاءات والمحن: إنما هي کعقوبة علی ذنوبه وآثامه ومعاصیه، وبما أن الله یحب عبده المؤمن، فقد یبتلیه بسبب بعض هذه الذنوب والمعاصي، فتکون عقوبة هذه الذنوب والمعاصي في هذه الدنیا، ویخفف من وزرها في الآخرة، وهذا هو بنفسه من ألطاف الرحمة الالهیة الکبیرة بالعبد المؤمن، أما من یشمله الغضب الالهي، فبدل أن یعاقب بالابتلاءات والمحن في کثیر من الموارد، یزید له في نعمته، لیبتلی في النهایة بالعذاب الألیم في الآخرة.
ب) الامتحانات الالهية، قد تکن الابتلاءات والمحن للامتحان والاختبار الالهي، فمن السنن الکونیة والقوانین الالهیة الثابتة أن یمتحن المؤمنین، کما أشار القرآن الكريم في آيات عدیدة لهذه المسألة، فعلی سبیل المثال: قال لله سبحانه وتعالی في محکم کتابه المجید: «لتُبْلَوُنَّ في أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ»(آل عمران:186).
وقال أیضاً: «و لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الاَمْوالِ وَالأَْنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة:155)؛ وقال کذلك: «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون...»(العنكبوت1-3). إذاً، لیس للامتحانات والابتلاءات الالهیة إطار محدد ومعین، بل أن کل شخص یبتلی و یمتحن تبعاً لحالاته النفسیة والعاطفیة والروحیة، ولهذا قال عزوجل في آية آخری أیضاً: «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ» (الانبياء: 35).
ما هي الحكمة في الامتحانات الالهية؟ إذا کان الله علام بالأمور، فلیست الامتحانات الالهیة لرفع الجهل عن الأمور، بل لیستعرض المؤمن الخالص قابلیاته وکفاءاته، ویظهر استعداداته الباطنیة، فیمتحنه الله عزوجل، إذ إن من الحکم الالهیة إخلاص الانسان المؤمن وإظهار جوهره الإیماني الناصع، فکما أن الذهب إذا صهر بالنار، لتزال منه شوائبه و تظهر ونزاهته في کورة النار، فیبدو منه الذهب الخالص، فکذلك الإنسان المؤمن، إذ یصف الله عزوجل عمل الانسان بکورة البلاء والمحن، لیکون إیمانه خالصاً ناصعاً، وکذلك فصل صفوف المؤمنین بصدق عمن ادعوا الایمان کذباً وزوراً و بهتاناً، فکان إسلامهم مجرد لقلقة لسان، وهذا هو أیضاً من الحکم والامتحانات الالهیة، کما قال الامام علي(ع): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَ يُمَيَّزُوا وَ يُغَرْبَلُوا وَ يُسْتَخْرَجُ فِي الْغِرْبَالِ خَلْق».
وعلی هذا، یتعرض المؤمنون تناسباً مع درجات إیمانهم وحالاتهم النفسیة والروحیة إلی امتحانات واختبارات الهیة صعبة، ولا ینبغي لأحد أن یتصور أن طریق الایمان والتدین تحفّ به الریاحین والزهور، ویمرّ عبر الحدائق الغنّاء و الخضراء، بل هو طریق ذات الشوکة، فیضع الإنسان المؤمن علی طول هذا المسیر الطویل الذي أمامه أقدامه علی أعتاب هذه الزهور والریاحین، فیکون هذا التصور علامة علی عدم معرفة ماهیة الایمان و الدین، ولقد عشعش و سیطر هذا التفکیر والتصور في أذهان بعض المسلمین الذین عاشوا في مکة: أنهم إلی متی سیتحملون هذا العذاب، ویتألمون بسبب إیمانهم بالله الواحد الأحد؟
فأنزل الله عزوجل هذه الآیات لرفع هذه الأوهام عن أفکارهم وتصوراتهم؛ فقال سبحانه وتعالی: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبينَ»(العنكبوت/2-3).
ولعل هذه التصورات الغیر طبیعیة و الغیر مأنوسة قد جعلت أهل الإیمان یتصورون: أنهم لا یمکن أن تعرقل المشاکل طریقهم بعد ذلک أبداً، وحصل هذا النوع من التفکیر في أذهان أهل المدینة أیضاً، فقال الله عزوجل لإبطال هذا التصور الخاطيء: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَريب»(البقرة: 214).
روي أن معرکة «أحد»انتهت، فکان حصیلتها وقوع الکثیر من القتلی والجرحی، وسقوط سبعین فارساً من صنادید المسلمین وشجعانهم وقادة جیشهم في المعرکة، «ولکي یبین الله سبحانه وتعالی لهم أن طریق الإیمان والتدین هو طریق ذات الشوکة، یمر بالصعاب والابتلاء» أنزل علیهم هذه الآیة المبارکة: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرينَ»(آل عمران:142).
وعلی أي حال، لمسألة الامتحان والاختبار الالهي بحث واسع وطویل، وأحکامه وحکمه کثیرة لا تعد ولا تحصی أیضاً، فالله یبتلي عباده ویفتنهم، کما فتن الانبیاء والرسل من قبل بشدة البلاء والابتلاء والفتن المریرة.
ج) مضاعفة الاجر والثواب المعنوي، وقد یبتلي الله سبحانه وتعالی عباده المؤمنین لیعلم مدی صبرهم علی البلاء فیضاعف مندرجاتهم المعنویة. روي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) الْبَلَاءُ وَ مَا يَخُصُّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَ حُسْنِ أَعْمَالِهِ فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وَ مَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَ ضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ».
و روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِه». و قال الامام الصادق علیه السلام:«إن الله لیبتلي أولیاءه لیثیبهم علی ذلک بالأجر والثواب لما لم یذنبوا». وفي حديث آخر عن رسول الاسلام(ص)قال:«إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جِسْمِهِ فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ». و عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع:«قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلَّا بِالِابْتِلَاءِ فِي جَسَدِهِ».
و بناء علی ما ذکر، علیك أیها الأخ العزیز، أن تفکر في حیاة أناس من البشر الصلحاء ومن لهم کرامة عند الله کالأنبیاء والرسل والأوصیاء علیهم السلام و الأولیاء و عباد الله المؤمنین، وما حلّ علیهم من المحن والبلاء في الدنیا، إو ذلك فیما إذا تعرض غیرهم لمثلها، فتحمّل عبئه ثقیل جداً، وتحملّه صعباً علیهم و شاق.
أنتم سمعتم قصة نبي الله أیوب علیه السلام، وکیف أن الله قد ابتلاه، ففقد ولده وصحته في فترة قصیرة جداً، رغم أنه مقد أصیب بافتقاد الابناء الشباب وهم في مقتبل العمر، وحالة الفقر الشدیدة، وسقم البدن، ولسعة الألسنة النابیة، وسخریة الناس بالنبي أیوب علیه السلام، إلا أنه لم یصدر منه اعتراض أو شکوی علی ذلك، ولم یقل: أي رب، لقد ابتلیتني وامتحنتني، وسأقف في طریقك یوم القیامة، بل کان یشکر ربه في کل حال، فصبرعلی قضاء الله وقدره، حتی رفع الله عزوجل عنه کل هذه المحن والابتلاءات العظیمة، فکان علیه السلام سید الصبر والکرامة عند الله، ومثال الصبر والاستقامة عند الناس المؤمنین.
لاحظوا حیاة وسیرة الأئمة من أهل البیت علیهم السلام، فکم عانوا من المحن والابتلاء والبلاء؟ وشاهدوا واقعة کربلاء، فکم من المصائب العظمی والجسام قد مرت علی هذه الذریة الطاهرة من أهل البیت علیهم السلام، ولکن مع کل تلك المصائب والبلاء الذي جری علیهم في کربلاء، کانت أسوة و سیدة الصبر السیدة «زینب الکبری» تتحلی بالصبر، ولم تنبس بشفة اعتراض أبداً، بل قالت علیها السلام تصف ما حل بها بقولها: «ما رأيت إلا جميلا»؛ وحتی في لیلة استشهاد إخوتها وأنصار الإمام الحسین علیه السلام، لم تترك التهجد بنافلة اللیل أبداً.
ففکروا الآن، لعل تعرضکم للمحن والبلوی هو نوع من الامتحان والاختبارالالهي، ولعل فیه جهات أخری أیضاً، ولعل بعض الروایات صرحت بأن خیر العبد في المحنة والابتلاء في الدنیا، واقتضاء حکمته أن یبتلیه ویمتحنه. وتتعلق الاجابة للدعاء و التوسلات ببعض الشروط أیضاً، فإذا لم تتحقق هذه الشروط، فسوف لن یستجاب الدعاء. و یحب الله عزوجل کذلك أن یسمع صوت عبده واستغاثته به، فیکون ذلك سبباً في أن تؤخر استجابة دعوته، وقد یری ربه أن خیره وصلاحه في عدم استجابة الدعاء، فیدخرها له علی أن رفعة و درجة معنویة في عالم الآخرة، وبما أننا نجهل الحکم الالهیة، فقد نتصور أن کل ما نطلبه من الله، علی الله الإجابة؛ وأن یکون الأئمة علیهم السلام واسطة في الإجابة، مع أن هناك حکم - بکسر الحاء وفتح الکاف - أخری نحن نجهلها في هذا العالم أیضاً .
دليل كلام أمير المؤمنين عليه السلام حول النساء وتعدد الزوجات
بتاريخ 20 جمادی الثانی 1434 & الساعة 20:07
سألتکم من قبل عندي مجموعة من الأسئلة، آمل أن أجد لها إجابة محددة، وأنجو من هذا الضیاع والتشتت. مع وجود التساوي بین حقوق المرأة والرجل في الاسلام فلماذا سن التکليف في البنت 9 سنوات والولد 15 سنة؟ (لأرید أن تجیبوني بشطارة أن هذا یعد نوعاً من التکريم للمرأة، لأنني أبحث عن دليل منطقي) مع شکري الجزیل لکم.
أنتم ذکرتم: لا یلزم أن نقول: إنه تکریم للمرأة، بل أن البلوغ نوعاً ما في المرأة یقع في هذا السن، وهذا هو سبب البناء و النظام الجسمي والنفسي الذي أودعه الله في وجودها، فهي کالشجرة تنمو قبل الأشجار الأخری. مضافاً إلی ذلك، هذه المسألة هي من الأمور التعبدیة، فإن لم ترغبوا في القول بتکریم المرأة، فأنتم مختارون في ما یعنیکم، وأنتم وشأنکم فیما تختارون، لکن الحقیقة هي أن الأنثی لها من الدرك والفهم والاستیعاب والعقل أکثر من الذکر. وبعبارة أخری: البلوغ هو امر تکويني، وإن تدخل الشارع في هذا المورد، هو من باب الارشاد.
والآن أرید أن أسأل: هل أن السماح بأربع زوجات یعد تکریماً للمرأة؟ أو قول الإمام علي علیه السلام کما روي في نهج البلاغة: «المرأة ناقصة العقل» هل هو تکریم للمرأة؟ وکذلك سائر التناقض؟ أنا ومن هم علی شاکلتي علی ثقة بما نقوله في أنفسنا ولکني لا أعلم لماذا وضع الإسلام کل هذا؟ فکان له خطاب مدهش و عجیب مع وجود کل هذه القوانین للمرأة؟ ثم یقول: نحن نکرّم المرأة، نحن لا نقول أن هذا صحیح في أماکن أخری کالغرب، لکن الاسلام الذي نأمله و ندعیه لماذا لا تتاسب بعض قوانینه مع العقل؟ إن سبب امتعاضي و شدتي في أسلوب النقاش هنا هو أنني التقیت برجل بهائي سألني هذه الأسئلة، وقد کان هذا الأمر ثقیلاً جداً باعتباري شیعي أن لماذا توجد هکذا حقیقة؟ طالعت کتاب الاستاذ المطهري فهدئت من روعي قلیلاً، ولکنني عندما أسأل شخصاً لماذا قانونا ودستورنا في الحقوق المدنیة ناقص؟ یجیبني فیقول: «کان الاستاذ المطهري مفکراً،لا فقیهاً یرید أن یحکم أو یفتي،أو یشرع القوانین، لذلک بیّن رأیه فقط!».
أما الجواب عن السؤال الاول: دليل تعدد زوجات:
لا علاقة للزواج بتکريم أو عدم تکريم النساء أو الرجال، بل یطرح بعنوان کونه مسألة طبيعية ومن ضرورات ومقتضیات الحیاة أیضاً. ولو تعرفتم علی تاریخ مظلومیة النساء والکرامة التي منحها وأولاها الإسلام للنساء، وأخذتم بنظر الاعتبار مصالح ومفاسد الاحکام الاسلامية، فسیتغیر رأیکم حقاً.
کان یرافق مسألة تعدد الزوجات قبل الاسلام نوعاً من الاستخفاف والتحقير جداً، لا یمکن حصرها في حد معین أبداً، حیث أخرجوا النساء من عداد البشر، واعتبروها في عداد الحیوانات والبهائم، وکان أصحاب المزارع والأملاك یسیئون إلی النساء، باستخدامهن في المشاغل والأعمال الشاقة والصعبة، و استفادتهم من کدّ یمینهن وعرق جبینهن، وکانت طبقة الأشراف والسادة فیهم یختارون عدداً کبیراً من النساء في ملذاتهم ومتعهم اللامشروعة. والأسوأ من ذلك کله، أن بعض الزواج یقعون علی النساء علی شکل مجامیع، بمعنی أن طائفة من الرجال یتزوجون طائفة من النساء، فقد جرت العادة في «تبت» أن عدد من الإخوان یتزوجون عدد من الأخوات، بنحو لا یعلم أيّ أخت هي زوجة لأي أخ؟
لقد نسخ الإسلام وألغی تماماً امتلاك عدة زوجات، بخلاف امتلاك عدة أزواج، رعایة للمصالح والمفاسد، بل حدد ذلك وقیده، فهو من جهة، حدد عدد الزوجات، ومن جهة أخری، وضع شروطاً، وعلی ضوء هذه الشروط، لم یسمح لأي شخص أن یختار العدید من الزوجات، ونظراً لقیام الإسلام علی الحکمة البالغة والمصالح والمفاسد الاجتماعية والأسریة، ففي مجال تعدد الزوجات أیضاً، أکد علی ضرورة دفع المفسدة ورعایة المصلحة.
فلنأخذ هذه الجهات علی سبیل المثال:
1ـ أکدت الإحصاءات الرسمیة: أن عدد النساء في أصل الخلقة أکثر من الرجال، ولو أخذنا علی سبیل المثال حالات الحرب والحوادث الأخری والعلل الغیر طبیعیة التي تنتزع الرجال بالدرجة الأولی کضحایا، فأعداد الرجال أقل بکثیر من أعداد النساء، فإذا قرر أن یکون لکل رجل امرأة واحدة، فإن الکثیر من النساء ستبقی إلی آخر عمرها بدون زوج،فیجبروهن في نهایة الأمر علی ارتکاب البغاء والفضائح الجنسیة والفساد والشذوذ والانحلال اللاأخلاقي في المجتمع.
2ـ تتعرض المرأة أحیاناً لعاهات وأمراض مزمنة ومستعصیة، فیلجأ الرجل في هذه الحالة لرفع غرائزه الجنسية بالقیام بأعمال تتنافی مع العفة والشرف.
3ـ تأتي الدورة الشهریة عادة للنساء في کل شهر، وفي هذه الفترة، لا یقدر الأزواج من مجامعة زوجاتهم، ویسبب هذا بنفسه نوعاً من المشاکل في المجتمع.
وقد ذکرت الاحصائیات العالمیة إحصاءات عن منع تعدد الزوجات في البلدان الغیر إسلامیة، وتزاید أعداد أولاد الزنا والغیر شرعیین، جراء الفساد الجنسي والبغاء للرجال والنساء، و فیما یتعلق بالجهات المذکورة أعلاه، فقد سمح الإسلام للرجال أن یتزوجوا أربعة زوجات کحد أعلی مع رعایة الشروط والعدالة، ولا تتعارض هذه أبداً مع عفة وکرامة المرأة.
وتعدد ازواج الرجل إلی أربعة طبعاً مع رعاية الشروط، وهو بنفع نوع النساء أیضاً، إذ لو انحصر الزواج بواحدة، فستبقی الکثیر من النساء بلا أزواج إلی آخر عمرهن، فیلجأن إلی ممارسة البغاء و الفساد اللاأخلاقي.
الجواب عن السؤال الثاني:
اما بالنسبة «لکون النساء ناقصات العقول»: کما ورد في کلام أمير المؤمنين(ع) فللإجابة عن هذا السؤال، یلزم بدایة الإشارة إلی عدة أمور:
1ـ معيار تفوق الرجال والنساء کل منهم علی الاخر کما صرح به القرآن الکریم هو "التقوى والفضيلة" و المخطيء والعاصي هو ناقص العقل، ولو کان رجلاً، و المتقي الفاضل کامل العقل وإن کانت امرأة أیضاً.
2ـ صفة "نقص العقل" الواردة في الروایات لیست حكرا على النساء، بل إن هذا الوصف ینسب إلی الرجال أیضاً، وقد يعزى ذلك إلى نوع الإنسان بشکل عام. فیقول الامام علي(ع) مثلاً: «إعجاب المرء بنفسه دليل علي ضعف عقله» حیث عد الإعجاب والتركیز على الذات أو الأنانیة، سبباً في نقص العقل. وفي روایة أخری: «اتباع الهوی سبب لافتقاد العقل». وعلی هذا، فلعل ما ورد حدیث في نقص عقل المرأة، هو من ضمن هذه المجموعة من الأحادیث، من اجل ان التعبير عن الحالة الإنسانية التي من المحتمل أن تأتي، وأولئك الذين يتصفون بصفة الإعجاب بالنفس،التکبر، الغطرسة، والأنانية..سیقل أداءهم ونشاطهم العقلي، ویصابون بضآلة العقل، أما إذا أزیلت هذه الصفات من الداخل عبر التربية و تهذيب النفس، فستوضع حواجز أداء وتنویر العقل جانباً، وتعود الى الطبيعة البشرية الخصبة، وینضج العقل البشري الطبیعي لیکون خصباً مرة أخری، ومن ناحية أخرى، فإن فهمنا لإدراك معنى ومقصود بعض الأحاديث النبوية محدود و ناقص جداً.
فعلى سبيل المثال، الحديث المروي عن الإمام (ع) في تشبیه المرأة بالضلع الأعوج، قال: "مثل المرأة مثل الضلع الأعوج إن اقمته کسرته". لیس الغرض من الاعوجاج معناه الظاهري، لأن الضلع لا یمکن إقامته أبداً، بل فیه إشارة إلی أهمیة الظلع في الجسم، کونه حافضاً لأسراره ومولداً للدم، و... والمرأة أيضا كاتمة لأسرار الأسرة، وهي مصل الدم الذي یجري في عروق الأسرة، وسبباً في تدفق الحیاة في المجتمع ... وإنما یکون للضلع فاعلیته وأداءه فیما لو کان له وضعه المناسب، وإلا، فإن أراد أحد إقامته انکسر، فلا یکون بعد ذلك حافظاً وکاتماً للأسرار، ولا مولداً للدم «أي یفقد فاعلیته وأداءه».
ونقول مضافاً إلی ما تقدم: العقل الذي ذکره الإمام علي علیه السلام، و روي في نهج البلاغة حول المرأة: قد یکون بمعنی العقل التجربي أو الآلي، یعني أن العقل الذي هو محل النظر هو «العقل الآلي»، الذي یستخدم في تدبیر الشئون المادیة والدنیویة، ولا علاقة له بالعقل الکامل أبداً، إذ إن ملاك انسانية الانسان لا تختلف في الرجل والمرأة، فیما لو أراد کل منهما أن یتقرب بواسطته إلی الله عزوجل، ویصل إلی السعادة والكمال. وإن قلة و ضآلة العقل الآلي في المرأة له صلة و ارتباط دقيق و وثیق بالمسئولية الملقاة علی عاتقها بشکل طبيعي و تكويني.
وبعبارة آخری للانسان في هذه الحیاة احتیاجات ومستلزمات عدیدة، وکل منها یتطلب آلیاتها الخاصة بها، فقد خلق الله عزوجل الرجل والمرأة في نظام الوجود الجمیل بشکل خاص جمیل، وأبدع في صنعه، وامتاز کل منهما بخصائصه وسماته الذاتیة المعنیة به، وجهز کل منهما بأدواته الخاصة، فجعل المرأة کیان العطف والمحبة والسحر والجذب والجمال، والرجل مظهراً للقدرة و التدبیر، وبهذا، للنساء أفضلیة علی الرجل في بعض الجهات، والرجل في جهات أخری، وکل منهما یحمل علی عاتقه رسالة متناسبة مع حالاته وخصائصه، وکل منهما أیضاً مکمل للآخر، وتتماشی الحیاة علی أساس ذلك الکیان المليء بالمحبة والصفاء والتدبیر.
3ـ علینا أن نفکر جیداً في محتوی أي کلام یصدر من أي أحد، فالاستدلال الذي ذکره علیه السلام، وذکر في تعقیب الروایة، هو توجیه جید جداً لکلامه علیه السلام. أما قوله علیه السلام: «لأنهن ناقصات الإیمان»، فهو لیس بالمعنی الذي نتصوره نحن وأنتم، لأن الله یضرب للمؤمن مثالاً في القرآن الکریم، ویضع لهم أسوة وقدوة، فیقول: «ضرب الله للمؤمنین مثلاً امرأة فرعون-کأسوة وقدوة-» والقرآن الناطق يعني اميرالمؤمنين(ع)، هو أعلم من غیره بطرق القرآن البتةً.
وردت هذه الخطبه بعدرجوع عائشة من حرب الجمل، فبین علیه السلام نفحة من نفحات خصائص النساء. اما «نقص الايمان» فقالوا: تحرم المرأة علی الرجل بسبب طمثهن وقعودهن عن العبادة في کل شهر، ولیس معنی ذلک أن لا إیمان لهن فترة الحیض، بل یعلم من خلال القرینة التي ذکروها آن غرضه علیه السلام من نقص الایمان، هو النقص في العبادات، وقد شرع ذلك رفقاً بالنساء.
«نقص عقولهن»، في المقارنة بأحاسیسهن ومشاعرهن، إذ إن عواطف ومشاعر النساء ملازمة لعواطف الأمومة والعطف والحنان، وینبغي أن تکون أکثر من الرجال، ولهذا قد یتخذن قرارات خاطئة أحیاناً، کما فعلت عائشة في حرب الجمل.
امّا «نقص حظّوظهن» من الأرث فبسبب: أن العبأ الأکبر في الحیاة یقع علی عاتق الرجل غالباً، وعلی هذا، أنیطت إدارة الأسرة في کل المذاهب والأدیان إلی الرجل،وذلک بسبب الفارق والاختلاف الجسمي والبدني.
وبالنتیجة: فإن ثقل أعباء المسئولیة قد أنیط بالرجال دون النساء، وأنتم وإن شاهدتم نماذج عن المرأة في المجتمعات الغربیة، کقولهم: بتساوي الرجل مع المرأة، إلا أنه لا یمکن أن نشاهدهن في عملیة إشراکهن في اتخاذ القرارات الحاسمة والمهمة، إلا في موارد قلیلة، وأکثر هذه الموارد هي تلك التي یرافقها تبعات سیئة، و یعزی هذا إلی وجود التفاوت والاختلاف في الخلقة بین الرجل والمرأة، إذ خلق کل منهما لهدف معین.
وکذلك مسألة قضاء وشهادة امرأتین أمام شهادة رجل واحد، فإن اشتعال وغلیان مشاعرهن وأحاسیسهن یجعلهن غیر مستعدات للإدلاء بشهادتهن أمام القضاء، لیعاقب المجرم علی ما ارتکبه، وبسبب شدة العواطف والرأفة من قبلهن علی شخص، أنهن لو کن واحدة، فقد تشهد بعکس ذلك. والخلاصة لا فرق بین الرجل والمرأة في الرؤیة والمنظار القرآني و الرسول الاکرم (ص) واوصيائه علیهم السلام من الناحیة الانسانية و البشریة .
وأن ما یستفاد من کلام امير المؤمنين(ع) هو: انطباقه علی علم النفس عبر الدراسة والتحلیل الدقیق لهذه الشریحة في المجتمع. مضافاً إلی ذلك، أنه علیه السلام أراد أن ینبه جماعة أرادوا أن یلتحقوا برکب امرأة، ویضرموا فتیل فتنة کبری في الإسلام، وینبّه الأجیال في المستقبل إلی أن المرأة خلقت للأمومة والحضانة والزوجیة، ولتکون مصدراً للعطاء والحیاء والعفاف، ومقراً للعطف والحنان، وأن تکون مربیة وأستاذة، لکنها في نفس الوقت، قد تکون أضعف من الرجل في بعض الموارد، إما بشکل طبیعي وإلهي، أو باختیارها.
وهذا من لوازم النظام الالهي الأحسن، ومن هذه الجهة، ینبغي أن تتواجد في المکان المناسب بها، ولا تترك موقعها شاغراً. و لکننا في الوقت نفسه تعلمنا ذلك من معارف قرآن و النبي صلی الله علیه وآله و امير المؤمنين علیه السلام واولاده المعصومین علیهم آلاف التحیة والثناء أن لا فرق بین الرجل والمرأة عند الله في نیل الکمالات، ویمکن لکل منهما أن یکون أسوة وقدوة للإنسان العابد والمؤمن بالله عزوجل، کما ذکر سبحانه وتعالی «امرأة فرعون» في القرآن الکریم، علی أنها الأسوة والقدوة للمؤمنین.
وختاماً من الضروري التأکید علی هذه النقطة، وهي: أن الأحاسیس والمشاعر التي تمتلکها النساء أو سائر الخصائص المتوفرة فيها، هو لیس إرادة تقلیل قیمتهن المعنویة والروحیة والإیمانیة، فلا فرق بین الرجل والمرأة في نظر الاسلام في القیمة الانسانیة، غایة الأمر أن الرجل والمرأة خلق کل منهما علی نحو یختلف بخصائصه عن الآخر، ویعود السبب في ذلك إلی الوظائف الخاصة المناطة بکل منهما، أما في الکرامة البشریة والانسانیة، فهم متساوون. فکم من النساء من تعادل لوحدها کافة رجال العالم بل هي أفضل منهم جمیعاً کالسیدة فاطمة الزهراء(س)، والسیدة مريم(س)، و السیدة آسيه(س) و ... فهذه النسوة أفضل کل المخلوقات عدا المعصومین والأنبیاء علیهم السلام.
تعدد الزوجات واختلافات الرجل والمرأة
بتاريخ 27 جمادی الاول 1434 & الساعة 20:41
یسألني خطیبي أي دین هذا الذي أنتم علیه أیها المسلمون؟ یجیز للرجل أن یختار لنفسه زوجة له؟ أما المرأة فلا یسمح لها ذلک؟ ویسمح للرجل أن یختار لنفسه عدة زوجات متعة دون إذن زووجته؟ ویقیم معهن علاقات غرامیة أیضاً فأي إنصاف هذا أن تختص المرأة بزوج واحد فقط؟ وأن العلاقة التي تقیمها المرأة لا تختص إلا بزوجها، ویحرم علیها إقامتها مع رجل آخر مع وجود زوجها؟ ولو عرضت مسألة السفر وموارد خاصة بالرجل فالنساء یسافرن سفراً طویلاً أیضاً، ویقعن نوعاً ما في العسر والحرج، أو إذا لم یکن هناك ضیر لهذا الکلام ألیس للمرأة رغبات جنسیة أیضاً؟ فلماذا لا تستمع المرأة مع عدة أزواج؟ ویختص هذا بالرجال فقط؟ فإذا کان البحث هو حفظ کیان الأسرة، فالمرأة هي لیس وحدها القائمة بشئون الحیاة والأسرة، فالحیاة مشترکة ،ینبغي إدارتها من جانبین، فالمرأة تجبر علی الزواج برجل واحد سواء قدر هذا الرجل علی توفیر کافة الاحتیاجات و الرغبات الجنسیة للمرأة، أم لا؟ فینبغي أن یختص التفکیر فیه فقط أو الطلاق و...؟ فأي جواب لهذا الظلم والحیف الذي یقع علی المرأة؟ الرجاء أن تکون الإجابة مرفقة بدلیل عقلي قوي و متین وأن یتضمن الجواب استدلالاً بالروایات والأحادیث
تعد مسألة تعدد الزوجات قبل الاسلام نوعاً من السخریة والاستخفاف والتحقير جداً،و لا یمکن حصرها في حد معین أبداً، حیث أخرجوا النساء من عداد البشر واعتبروها في عداد الحیوانات والبهائم، فکان أصحاب المزارع والأملاك یسیئون إلی النساء واستغلالهن، کتشغیلهن في أعمال شاقة و صعبة، واستفادهم من کید یدهن و عرق جبینهن، وکانت طبقة الأشراف والسادة فیهم یختارون عدداً کبیراً من النساء في ملذاتهم واستمتاعاتهم اللامشروعة.
والأسوأ من ذلك کله، أن بعض الزواج قد یتناوبنهن علی شکل مجامیع، بمعنی أن طائفة من الرجال یتزوجون طائفة من النساء، فقد جرت العادة في «تبت» مثلاً أن عدة من الإخوان یتزوجون عدة من الأخوات، بنحو لا یعلم أي أخت هي زوجة أي أخ؟
لقد نسخ الإسلام وألغی تماماً امتلاك عدة زوجات بخلاف امتلاك عدة أزواج، رعایة للمصالح والمفاسد، بل حدد ذلك وقیده، فهو من جهة، حدّد عدد الزوجات، ومن جهة أخری، وضع شروطاً لذلك، وعلی ضوء هذه الشروط، لا یسمح لأي شخص أن یختار العدید من الزوجات، ونظراً لبناء الإسلام علی الحکمة البالغة والمصالح و المفاسد الاجتماعية والأسریة، ففي مجال تعدد الزوجات أیضاً، أکد علی ضرورة دفع المفسدة ورعایة المصلحة، ولنأخذ هذه الجهات علی سبیل المثال:
1ـ أکدت الإحصاءات الرسمیة أن عدد النساء في أصل الخلقة أکثر من الرجال، ولو أخذنا علی سبیل المثال حالات الحرب والأحداث الأخری والعلل الغیر طبیعیة التي تنتزع الرجال بالدرجة الأولی کضحایا، فسیکون أعداد الرجال أقل بکثیر من أعداد النساء، فإذا قرر أن یکون لکل رجل امرأة واحدة، فإن الکثیر من النساء ستبقی إلی آخر أعمارهن من دون زوج، فیجبروهن في نهایة الأمر علی ارتکاب البغاء والفضائح الجنسیة والفساد والشذوذ والانحلال اللاأخلاقي في المجتمع.
2ـ تتعرض المرأة أحیاناً لعاهات وأمراض مزمنة ومستعصیة، فیلجأ الرجل في هذه الحالة لرفع غرائزه الجنسية بالقیام بأعمال تتنافی مع العفة والشرف.
3ـ تأتي الدورة الشهریة بشکل طبیعي ومعتاد للنساء في کل شهر، وفي هذه الفترة، لا یقدر الأزواج من مجامعة زوجاتهم، فیسبب هذا بنفسه نوعاً من المشاکل في المجتمع .
وقد ذکرت الاحصائیات العالمیة عن منع تعدد الزوجات في البلدان الغیر إسلامیة، و تزاید أعداد أولاد الزنا والبغایا وغیر الشرعیین جراء الفساد الجنسي والإباحیة للرجال والنساء، و فیما یتعلق بالجهات المذکورة أعلاه، سمح الإسلام للرجال أن یتزوج أربعة زوجات کحد أقصی مع رعایة الشروط والعدالة التي یضعها في اختیاره وتصرفه، و لا یتعارض هذه أبداً مع عفة وکرامة المرأة، من ناحية أخرى.
وللمرأة مهام خاصة في نظام الخلقة، کالأمومة والحضانة، وهذا مقام عظیم وشامخ، قد قال النبي صلی الله علیه وآله: «الجنة تحت أقدام الأمهات»، ولا یتناسب مقام الأمومة وتربیة الأبناء مع تعدد الأزواج، لعدم تعین الابن لأي واحد من هؤلاء الأزواج و قد جاءت الشريعة الإسلامية على أساس احتياجات الإنسان، وليس علی أساس المشاعر، فقد تتضایق المرأة بالمنافسة (في الحياة)، ولكن عند النظر في مصلحة المجتمع كله، وترک المشاعر جانباً، سیتضح حینئذ فلسفة تعدد الزوجات.
و لا يمكن لأحد أن ينكر أن الرجال یتعرضون إلی الحوادث المختلفة في الحیاة، وربما إلی الموت، أکثر من النساء، وقلتهم إیضاً عند تعرضهم إلی الحروب والحوادث الأخری، فهم یعدون الضحایا الأصلیین في الحقیقة.
و لا يمكن إنكار أن بقاء الغريزة الجنسية لدى الرجال أطول من النساء، لأن النساء في سن معينة، تفقد استعدادها الجنسي، وهذا ليس كذلك في الرجال. ویحضر علی النساء أثناء الحيض والحمل مزاولة الجماع والجنس أيضا ، و لكن لا وجود لهذا الحظر في الرجال. وآخر كل شيء قد تفقد المرأة زوجها لأسباب مختلفة، فإذا لم يكن تعدد الزوجات، فستظل الزوجة دائما بلا زوج، ویدب الفساد في المجتمع.
فمع أخذ هذه الحقائق بنظر الاعتبار في الموارد المذکورة وغیرها، (سیختل التوازن بين الرجال والنساء معا)، وفي هذه الحالة، ینبغي اختيار أحد الطرق الثلاث التالية:
أ) إما أن یقنع الرجال بزوجة واحدة فقط في كل الموارد، وتبقی النساء الأرامل إلی آخر عمرهن بلا زوج، فتقمع کافة الاحتياجات والرغبات الفطرية لمشاعرهم الداخلية.
ب) أن یکون للرجال زوجة قانونية واحدة فقط، ولكنهم یقیموا علاقات غرامیة وغير مشروعة مع النساء اللواتي بلا أزواج، ویتخذوهن معشوقات لهم متی ما شاءوا.
ج ) من کان لديهم القدرة على إدارة أكثر من زوجة، ولا یواجهون أي مشکلة جسمیة أو مادية أو أخلاقیة، ولدیهم القدرة الكاملة والکافیة في تطبیق العدالة بين الأزواج والأبناء، فيجوز لهؤلاء اختيار أكثر من زوجة واحدة.
فإذا أردنا اختیار الخيار الأول، فمضافاً إلی المشاكل الاجتماعية الناجمة عن طبيعة وغرائز الإنسان، علیه أن یلبي کافة الاحتياجات المادية والنفسية و البدنیة أیضاً، ویتجاهل عواطف و مشاعر هذه النساء، لكن هذه معركة خاسرة لا يمكن أن الفوز بها.
ولو افترض هذا المشروع ناجحاً، لکن لا یخفی علی أحد جوانبه اللاإنسانیة أیضاً، وتعدد الزوجات من باب الضرورة، ینبغي أن لا یفسر من وجهة نظر الزوجة الأولی فقط، بل من وجهة نظر الزوجة الثانیة أیضاً، مع دراسة الاقتضاءات الاجتماعیة کذلك، ومن یعنون مشکلات الزوجة الأولی في حال تعدد الزوجات، فهم ینظرون إلی المسألة بشعبها الثلاث، وهم من ینظرون إلیها من زاویة واحدة فقط، وذلك لأن مسألة تعدد الزوجات ینبغي أن ینظر لها من زاویة الزوج و الزوجة الأولی والثانیة معاً، ومن ثم نقضي و نحکم في ذلك من خلال رعایة مصلحة المجموع.
أما إذا اخترنا الخیار الثاني، فعلینا أن نمنح الشرعیة للبغاء والزنا، ونعترف به رسمیاً، والأجدر بذکره هنا أن الأزواج الذین یختارون لأنفسهم معشوقات، ویستمتعون بها جنسیاً، فانهن یشعرن بالأمن و لیس لهن مستقبل وکأن شخصیتهن قد انتهکت وکرامتهن قد أبیحت، فهذه لیست أموراً یسمح بها العاقل أو یجیزها.
فلم یبق أمامنا علی أي حال سوی الخیار الثالث، وهو یلبي المطالب والاحتياجات الفطریة والغریزیة للنساء، ویجتنبن أیضاً النتائج المترتبة على البغاء وفوضى الحياة، ویخرج المجتمع من مستنقع الخطيئة والتلوث.
ونذکر أخيرا بعض النقاط:
1- جواز تعدد الزوجات، مع کونها في بعض الموارد ضرورة اجتماعية، ومن الأحکام الاسلامیة المسلّمة، لکن حالاتها تختلف عن السابق کثیراً جداً، إذ إن الحياة في الماضي کان لها شكل بسيط، ورعایة العدالة بین النساء سهل، و یمکن لأغلب الأشخاص القیام به وتنفیذه.
أما في عصرنا هذا، فعلی الأشخاص الذین یریدون الاستفادة من القانون، علیهم رعایة العدالة الشاملة وفي کافة النواحي أیضاً، فإن کان لهم القدرة علی ذلك، فلیقدموا علیه، وينبغي ألا يكون تعسفيا قائماً علی الهوی و الرغبة .
2- استعداد الرجال لاتخاذ زوجات متعددة، هو أمر لا يمكن أن ينكر. فإذا رافق هذه الرغبة نوع من الهوی، فلا یمكن الموافقة عليه. و لكن عقم المرأة أحیاناً،ورغبة الزوج الشدیدة بإنجاب الأطفال، یجعل هذا الاتجاه منطقياً، أو في بعض الأحيان و بسبب الرغبة الجنسية الشديدة،وعدم قدرة الزوجة الأولى على تلبية المطالب الغريزية للرجل، یلجؤه هذا علی الزواج الثاني. وحتى إذا لم يحصل من طریق مشروع، فإنه یقدم علیه من طریق غیر مشروع، وفي مثل هذه الموارد والحالات،لا یمکن إنکار الطلبات المعقولة، فقد تکون مسألة تعدد الأزواج في المنزل، سبباً في إیجاد نوع من الكراهية والعداء بین الأزواج.
ولكن یرد هذا الاشکال علی من یکنّون العداوة والحقد، وليس علی الإسلام و تعاليمه: أن الدين الاسلامي لم یوجب و یلزم قانون تعدد الزوجات، ولم یعتبره شرطا ضروريا.
ولیس مسألة تعدد الزوجات في الإسلام في الواقع قاعدة، بل ضرورة واستثناء، وهو إعطاء الحكم بالترخيص والجواز، ولیس الإلزام، يعني أنه قد سمح وأجاز لبعض من تسببت لهم مشاكل، فاضطروا ولجئوا إلی الزواج مرة أخرى. کما لو وضع له شرطاً في ذلك، وکانت ثقة الرجل في أنه قادر علی أن یعدل بین النساء، و لكن إذا کان هناك رجال بغض النظر عن هذا الشرط، وبغض النظر عن رفاهیة وسعادة أسرته وأبنائه، أخذوا یبحثون و یفتشون عن الزواج من جدید، فالزواج الثاني غیر مناسب وغیر صالح. فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف من الزواج الثاني هو الشهوة والرغبة، والمرأة في نظرهم عبارة عن کائن مخلوق للمتعة وإیجاد اللذة فقط، فلا يتعامل الإسلام مع هؤلاء الناس، ولا یجیز لهم بالزواج أكثر من امرأة واحدة.
ولكن السؤال هو لماذا لا یعطي الإسلام هذا الحق إلی النساء؟ ولماذا لا يسمح الإسلام بتعدد الأزواج؟
لأن في هذا النوع من العلاقة الزوجية، لا تعرف عملیاً علاقة الأب مع الطفل، كما هو الحال في الشيوعية، (فتقاسم) العلاقة الجنسية غير معروف بین الآباء والابناء، وكما أن الشيوعية لم تقدر أن تشق لها طریقاً و تلعب دورها الحقیقي في ذلك، فلم یلق تعدد الازواج مقبولیة وترحیباً أیضاً في تلك المجتمعات، لأن الحیاة الأسریة والعائلیة و ايجاد عش آمن للأجیال المستقبلیة و ارتباط وثیق بین جیل الماضي و جیل المستقبل،هي رغبة و مطالبة للغريزة و الطبيعة البشریة،وتعدد الأزواج،لیس وحده لا یتفق مع طبيعة المطالبة بالانحصار والتحدید، وحب الرجل للأبناء، والذي یخالف طبيعة المرأة.
لقد أثبتت الدراسات في علم النفس أن المرأة تطالب بالزوج الواحد أکثر من الرجل الذي یطالب بتعدد الزوجات. ومن ناحیة أخری لا ترید المرأة أن یکون الرجل سبباً لإرضاء غرائزها الجنسیة فقط، بأن یقال: کلما کان أکثر، کان للمرأة أفضل، بل ترید المرأة من الزوج أن یکون له قلب، یدافع و یحامي عنها، ویضحي من أجلها، ویفرح ویحزن لها، والمرأة في تعدد أزواجها، سوف لن تحقق الحمایة و الدعم الکافي و المحبة و العواطف الخالصة والمضحیة من قبل الرجل بالنسبة لها، ولهذا، فإن تعدد الأزواج لها، یجعلها کالقوادة التي تبغضه المرأة بشدة وتبدي استائها و کراهیتها له.
وتعدد الأزواج لا ینسجم مع رغبات الرجل وعواطفه ومشاعره، ولا المرأة أیضاً. مضافاً إلی ذلك، من المشاکل الآخری لتعدد الأزواج للنساء هو عدم تشخیص هویة الأب بالنسبة للابن، فمع وجود تعدد الأزواح لا تحدد هویة أن الابن یعود لأي من هؤلاء الرجال، وهذه المسألة مهمة جدا. فمسألة تعلق الابن وتعیین الأب لهذا الابن، قد تثبتها المختبرات والفحوصات والتحالیل الطبیة والدراسات المعاصرة إلی حد ما، ولکنها من الناحیة النفسیة لم تحل، وذلك لأسباب:
أولاً یقول العلماء إن نتائج الفحوصات الطبیة والتحالیل هي لیس مصیبة مائة في المائة، بل تحتمل الخطأ فیها، أو...
ثانياً إن مسألة الاقناع الروحي و النفسي للأب والأم و الابن هي لیست أموراً یمکن حلها بالفحوصات الطبیة والتحالیل، فالابن یبحث عن الثقة والاطمئنان القلبي والشعور بالرضا النفسي، بأن یعرف من أباه ومن أمه الحقیقیان؟ وکذلك الأب والأم یبقیان یفتشان عن ذلك لحین حصول الإقناع والثقة القلبیة والتوصل إلی معرفة من الأب والأم الحقیقیین لهذا الابن؟ وبهذه النسبة، ستضعف و تتزلزل العلاقة بین الابن والأب والأم في داخل الأسرة، ونحن نقطع أنه في حال تعدد الأزواج للمرأة سوف لن یحصل هذا الاطمئنان و الثقة والعلاقة العاطفیة والانسجام الأسري أیضاً.
الحكمة في خلقنا
بتاريخ 27 جمادی الاول 1434 & الساعة 19:31
کنت سابقاً أدخل علی موقعکم کثیراً، وأسأل، ولکني حدیثاً، لا یهمني شيء أبداً، وأنا لا أعلم أصبحت هکذا؟ فأنا لا أشعر بالارتیاح جراء ما یحصل لي من ذلك، ولکنني أشعر بأن من یجهل، لم یفعل ذلك؟ فهو طبقاً لما قیل لهم فقط إنهم یعصون ویذنبون: هم حمقی! وأنا لا أعلم لماذا یکون الشيء الواحد لشخص جید ولآخر سیئ؟ و مالحکمة في أن أکون أنا هنا؟ والآخر في مکان آخر؟ و لماذا قد وجدنا أصلاً؟ هل أن الله محتاج لوجودنا؟ فإذا کان کذلك، فإن وجود الله حینئذ سیکون معرضاً للسؤال والمناقشة إذاً؟ وهل نحن خلقنا للعبادة فقط؟ ألم یکون الملائکة کذلك؟ و لماذا أن شخصاً یموت من الفقر والآخر یعیش شبعاناً مبطاناً؟ علینا إذا أن ننتظر إلی أن یحل یوم الجزاء؟ فلأي شيء خلقت هذه الدنیا إذاً؟ فإذا تقرر أن یتعذب الکثیر هنا، فلأي شيء هذه الدنیا إذاً؟ ولماذا نحن موجودون أصلاً؟
سؤالکم بحاجة إلی بحث مفصل. و خلاصة الجواب: إننا نعتقد بأن الله عالم حکيم . والحکيم هو من لا یفعل شیئاً بلا هدف،أو یکون فعله عار عن العبث، و أن ما ینجز بید صنعه وقدرته کان لغرض وهدف.
و یرکّز القرآن الکريم علی نقطتین:
الأولی: أن الله عزوجل خلق کل شيء للبشر يعني أن الخلقة بهذه العظمة و ما فیها من مجرات سماویة کبری و کواکب و شهب (لم یتوصل البشر إلی معرفة و لو جزء صغیر من هذا البحر اللامتناهي و الخلقة بهذه العظمة) أو أصغر الکائنات و المخلوقات، خلقت کلها للبشر و وظّفت لخدمته، ویمکن فهم هذا المطلب من آيات مختلفة في القرآن الکریم.
فعلی سبیل المثال، قال الله سبحانه وتعالی: «خلق لکم ما في الارض جميعاً»، ومن الواضح جداً أن الأرض تسبح في المنظومة الشمسية، متأثرة بفعل و انفعالات المجرات والکرات السماویة الأخری، و منها الشمس، فهي مع امتلاکها تلک الخلقة العظيمة، لو لم یکن نورها ودفئها وحرارتها مثلاً، لم تکن الحیاة أبداً .
وعلی أي حال خلق الله لنا ما في الأرض جمیعاً. هذا من جهة ومن جهة أخری اختار الله عزوجل الانسان لیکون خليفته في الأرض، وعندما سألته الملائکة عن السبب، أجابهم قائلاً: «إني أعلم ما لا تعلمون»، و لهذا أسباب و جذور في بحث قابلية البشر و خلافة الإنسان عن اللّه، و أن البشر المتکاملون هم نتيجة هذه الخلقة.
الثاني: بین الله عزوجل بنفسه الهدف من الخلقة، وقال: «و ما خلقت الجن والإنس إلا لیعبدون»، وقد فسّر المفسرون کلمة «يعبدون» ب «يعرفون» يعني الهدف؛ هو تحصيل المعرفة الالهية، و في کلام واحد؛ «معرفة الله». و علی أي حال، خلق الله البشر، ووضع في تصرفه واختیاره نعمة الارتقاء و التعالي و الوصول إلی المعرفة و السعادة مضافاً إلی نعمة الخلقة، لأن هناك کائن له هذه القابلیة یدعی «الانسان». و إن لم یفعل الله عزوجل کذلك، کان هذا جدلاً وإثارة للسؤال أن لماذا الله فیاض القدرة، قد حرم أشخاصاً من ذوي القابليات والاستعداد؟!
وبناء علی هذا،إن لم التفتّم جیداً، فستعرفون أن الذات الاقدس الإلهیة الحقّة، غیر محتاجة لخلق الانسان، ولکنه خلق الانسان علی أنه اشرف المخلوقات والکائنات، للتوصل إلی الکمال عن طريق العبودیة الله عزوجل وطاعته. فإن لم یخلق الله الانسان، لم یکن قد أکمل خلق الملائکة و سائر الموجودات و المخلوقات، و لم یکن للخلقة هدف، لأن الموجودات والکائنات الاخری غیر الانسان؛ إما هي عقل محض، أو لها نفس و شهوة محضة. فالملائکة؛ عقل محض، لا تمتلک قوة النفس، أما الحيوانات فلها قوة شهویة فقط،و هي محرومة من العقل، ولهذا السبب، لیس لأي منها أرضیة التکامل.
أما الکائن الوحید الذي یتصف بکلا البعدین؛ فهو الانسان،له حریة الاختیار و التصرف في نفس الوقت .فالنفس أشبه بمحرک السیارة،تفرض علی الانسان الحرکة و السعي،فیوجه العقل هذه الحرکة و السعي،وترافق هاتین القوتین إرادة واختیار الانسان، فتوفر له أفضل سبل التکامل،ولهذا لا یمکن المقارنة بین الانسان البدائي والانسان الحالي من زاویة الکمال والتطور في الحیاة لعدة جهات .
وأسألکم حالیاً في حال تواجد هذه الأرضیة في کیان البشر، فإن لم یخلق الانسان، ألم یکن محلاً للسؤال: لماذا لم یخلق مثل هذا الکائن لیتکامل هدف الخلقة؟
وبناء علی هذا، خلق الله البشر، فوضع الحیاة الدنیا قبل العالم الخالد، فکانت موضع وجدان ووصول الإنسان إلی الکمال، لیحصل علی نتائجها الأصلیة بعد الوصول إلی الکمال الأخیر في العالم الخالد والحیاة الأبدیة في الجنة .
الدنيا هي ميدان الاختبار والامتحان الالهي ، و للبشر مجالات مختلفة للاختبار و الامتحان. فلو تحرک الانسان باختياره و باستخدامه للعقل الذي منحه الله إیاه،مطابقاً للأوامر التي أمره الله بها والفطرة، وأجتنب الذنب والمعصیة، وظلم الآخرین أو التعدي علیهم، وقضّی عمره في العبادة وطاعة الله، ومساعدة الآخرین والإحسان إلیهم، فهذا هو الانسان ناجح في الاختبار والامتحان الإلهي، و سیحصل علی نتائج عمله في العالم الآخر. أما إذا أساء التصرف والعیاذ بالله في اختیاره، فقد ارتکب المعصیة والظلم. وسیحصل علی النتیجة الأخیرة والأصلیة في العالم الآخر أیضاً، وهذا هو الشيء الذي عبّر عنه القرآن الکریم «کل نفس بما کسبت رهينة».
و قد تطرح هذه الشبهة هنا وهي لماذا یبتلی عدد من الناس بالعذاب الالهي في عالم الآخرة؟ الجواب عن هذه الشبهة هو: إن هذه المجموعة من البشر وباختیارهم،و إساءة الاستخدام لهذا التفویض والاختیار، والإمکانات التي منحهم الله إیاهم، مضوا في طریق کانت نهایته الابتلاء بهذا العذاب، ولیس کذلك أن الله عزوجل قد أعدّ من قبل هذا العذاب، الیقودهم إلی العذاب رغماً علیهم وبالاکراه، فلو افترضنا أباً کان قد هیأ لابنه کافة الامکانات وأعدّ الخطط والبرامج له، لتکون في اختیاره وتصرفه، عطفاً وشفقة ومحبة وعشقاً منه لابنائه، فقال لابنه: استثمر کل هذه الامکانات بشکل جید وحسن، ولا تذهب في الطریق الخطأ، ولا تضیع هذه الثروة و رأس المال عبثاً، ولکن الابن أساء التصرف بها بتفویضه واختیاره، وأضاع هذه الثروة و رأس المال، وذهب بها أدراج الریاح، فأصبح فقیراً، فالمسئول عما جری له من کل ذلك هو نفسه، ولیس للأب دخل في ذلك، بل إن نتیجة عمله وسلوکه هو نفسه، ومن هذه الجهة، قال الله عزوجل: «فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرة شرّا يره»، يعني أن الجنة و جهنّم هما نتيجة اعمال الانسان نفسه، وأن من یضیع ثروته هدراً، أو یصنع لنفسه عاقبة سیئة، فعلیه أن یذم نفسه .
ومع هذه التفصیل،أسألکم: هل نحن ندین لله في ذلک جراء ما فعلنا بأنفسنا؟ وهل أننا إذا أحسنا التصرف و العمل،وحصلنا علی النعم الالهیة الخالدة،ألا یکفي هذا لهادفیة الخلقة؟ وإذا لم یخلق الله البشر بهذه السعة والقابلییة، ألم یکن هناك محلاً للسؤال: أن لماذا حظر الله علی هذا الانسان هذه النعمة التي یمکن أن تجعله موجوداً،ویحقق بها السعادة؟
آمل أن تکفیکم هذه الإجابة الموجزة علی سؤالکم . أما السؤال: لماذا یموت البعض و هم یتضورون جوعاً؟ و یموت آخرون من الشبع والبطنة؟ وبکلمة واحدة: کیف یمکن أن یوجه هذا الحرمان و تلک المظالم في العالم؟ للإجابة عن هذا السؤال أیضاً أن أقول: إن الله خلق کافة البشر متساوون،وامتلکوا استعداداً للوصول إلی الکمال.
ولکن کما قلنا: وضع الله عزوجل الدنیا داراً للاختبار والامتحان، وفوض للبشر أن یختاروا بأنفسهم ممارسة عملهم بحریة کاملة في الدنیا، فکان الانسان مختاراً في القیام بالعمل الجید والرديء، وبعث الأنبیاء لهدایة البشر إلی الطریق الصحیح والعمل الجید والفعل الحسن، وخلق العقل کرسول باطني لفهم وإدراك الجید من الرديء والحسن من القبیح، ووضع کل ذلك في اختیار وتصرف البشر، هذا من جهة.
ومن جهة أخری، جعل الله سبحانه وتعالی القوانين التشريعية منسجمة مع القوانين التکوينية في العالم، و لو تحرک اکثرية البشر علی ضوء الدستور الإلهي، فسیکون النظام الطبيعي للعالم إلی صالحهم أیضاً. أما إذا عمل الانسان علی خلاف فطرته،فسیتحرک النظام الطبيعي للعالم أیضاً لضررهم، وسیختل في ذلک الوقت نظام العدالة في المجتمع البشري؛و سیحل الظلم والوحشیة،فیظلم منهم جماعة، ویعیش البعض الآخر، في الفقر والفاقة والحرمان والجوع، وستظهر مئات المشاکل الآخری أیضاً، ولا یوجد أي منها أي خلل في عدالة الله، لأنه سبحانه و تعالی حظر علی الانسان انتهاك حقوق الآخرین أو التعدي علیهم، ولکن الانسان هو وحده من یمهد لأرضیة الظلم والجور بإرادته و اختیاره، و یسبب لنفسه کل هذه الابتلاءات و المحن بمعصیته، أو یسبب له مشاکل ومصاعب جراء الامتحان والاختبار الالهي.
وعلی أي حال، هذا البحث واسع جداً، و له فروع و تشعابات عدیدة، لا یمکن حصرها في الرسالة السابقة. فالخلاصة هي: الهدف من خلق الانسان هو الوصول إلی السعادة والکمال، وأن الدنیا هي دار اختبار وامتحان، ولا علاقة لله بالظلم وتجاوز الانسان العدل في علاقته بالآخر، ولا یدخل أي ضرر علی عدالة الله بفعله، وأن الله سبحانه وتعالی أرحم و أرأف بعباده من الأم بولیدها، فکل إنسان یری نتیجة عمله في العالم الآخر، فهو و إن کان یری نتیجة عمله وسلوکه في هذه الدنیا کذلك، ولکنه یری ذلك بشکل کامل في العالم الآخر، فینبغي علیکم أن تعملوا طبقاً لأحکام الله وما تتطلبه الوظیفة الشرعیة کما ورد في الرسالة العملیة لمراجع التقلید، وأن تبتعدوا عن الذنوب والمعاصي، وستنالون حینئذ سعادة الدنیا والآخرة، والطریق الوحید لوصول الإنسان إلی العدالة، هو «العمل بأوامر الله».