سؤال وجواب

اطرح سؤالك
الأجوبة على شبهات الحجاب
بتاريخ 28 جمادی الثانی 1434 & الساعة 19:25

إلحاقاً بالرسالة المرقمة ... علمت وباهتمام کامل أنکم تجیبون علی الأسئلة، فافتخرت بنفسي مرة أخری أنني مقلد لآیة الله العظمی فاضل لنکراني،فرأیت من خلال توضیحاتکم الکاملة، أن أعرض علیکم أسئلتي وبعض الأمور الغامضة عندي، أملاً بأن أحصل علی نصائحکم و إرشاداتکم.

في الحقیقة، أنني کنت أعتقد بمسألة الحجاب إلی عامین من قبل، وأنني إن لم أجد السحابة التي تشد مقنعتي لتستر شعري، لا أخرج من البیت. لکن حصلت لي أمور جعلتني أفقد اعتقادي تماماً، فأي آیة في القرآن جاء فیها: أن إذا خرجت شعرة من شعر رأس المرأة، ستعلق بها یوم القیامة وتعذب؟ وأي آیة في القرآن جاء فیها: ن إذا بدا شیئاً قلیلاً من کف ید المرأة، فستقص من هذا القسم قطعة قطعة؟ و أین جاء في القرآن: أن في المجتمع الإسلامي، یأمر رئیس الجمهوریة قوات 110 لینزلوا إلی الشوارع، فیسلبوا منا الهدوء و الأمان؟ ألیس الدین اختیاریاً؟ وأین جاء في القرآن: أن الجبة التي ترتدیها المرأة إن کانت قصیرة شبراً فوق الرکبیتن أن تعامل کمجرمة أمام باب الجامعة وفي الشوارع والطرقات؟ ألیس الدین اختیاریاً؟

وأین جاء في القرآن: أن یکون الرجال في المجتمع الإسلامي کما یریدون؟ «بملابس المصارعة، رفع الأثقال، و.. .»، لکن علی النساء أن یغلقن أعینهن؟ ولماذا نحن السیدات علینا أن نفعل کل شيء حفاظاً علی هدوء أعصاب وأرواح السادة الرجال، إلا أنهم...؟ وأین جاء في القرآن: اغتب ما یحلو لك، وکذّب، وکل حق الناس بالباطل؟ ولکن مع کل هذا، علیك أنت المرأة أن تلتزمي بالحجاب والمقنعة التي وضعتیها عبثاً علی رأسك، أو العباءة التي لففت بها جسمك بلا داعي أبداً؟

وأین جاء في القرآن: أن یجبر الناس والنساء تحدیداً براعایة الحجاب؟ فقد لا تکون الفتاة مسلمة؟ وکیف أن تلفازنا: یعرض مشاهد دائماً عن المرأة المحجبة في الغرب، لا یحق لها أن تدخل المدرسة أو الجامعة وهي ترتدي الحجاب الإسلامي؟ معتقدین بأن هذا عمل سيء؟ ولکن یفرض هنا أن تلتزم المرأة برعایة الحجاب الإسلامي وارتداء المقنعة وأحیاناً لبس العباءة للذهاب إلی المدرسة أو الجامعة؟

أتعتقدون أن مجتمعتنا یخلو من الفساد والتخریب؟ فکم قیدوا الشباب فصار الجمیع حریصاً، وجعل المجتمع والبلاد کارهاً للحجاب؟ ولکن من حسن الحظ أن الله کان معي فأنا أعتقد بالصلاة والصوم والله؟
وأنني لم أخلط فیها مثل کثیر من صدیقاتي وأنا علی ثقة بأنکم لو ولدتم في أسرة غربیة، سوف لن تتحدثوا عن الحجاب بهذه الطریقة؟ الاسلام قال: لا تفعلوا شیئاً یثیر الأنظار حولکم؟ فلو کنت في أحد البلدان الغربیة، وأخرج بالحجاب، فسیلفت الأنظار أکثر، وقصدي من عدم التحجب والسفور، لیس عدم التحجب الإباحي والغیر مناسب، بل الحجاب المتعارف والمرسوم، بل المناسب الذي لا یثیر الأنظار.

أنني أختنق من هذا الجو المخیف والمرعب، وأنا مع ذلك أنتظر إجابتکم وإرشاداتکم الغیر محایدة، والبعیدة عن التشدد والتعصب، والداعیة إلی المنطق والرویة والحکمة.



دعوتي لکم بقبول عباداتکم و طاعاتکم أیها الأخت المؤمنة و لکافة المؤمنين و المؤمنات. قبل أن أجیب علی أسئلتکم، أذکر لکم مقدمة مع الإشارة إلی هذه النقطة وهي:

علیکم أن تعرفوا أن مصادر الأحکام الشرعیة هي لیست «القرآن الکريم» وحده، بل إلی جانب القرآن الکریم، تضم «روایات اهل بيت العصمة و الطهارة»، فهم مفسرو القرآن الحقیقیون، وکذلك «العقل» في بعض الموارد، و«اجماع علماء الدين » في کافة الفترات والعصور علی  مسألة. فهذه الأمور الأربعة هي مصادر التشریع الإسلامي. أما «القرآن الکريم» فهو کتاب جامع، یبین کليات وقواعد الاحکام، وکما اصطلح علیه المنطق: أنه یبین کبریات المسائل، أما الجزئيات ومصادیق کل کبری قرآنية، ففقد تکف ببیانها روایات اهل بيت العصمة و الطهارة علیهم السلام.

فالقرآن الکريم مثلا امر بالصلاة، ولکن أين جاء في القرآن أن تصلی صلاة الصبح رکعتان، وصلاة  الظهر و العصر و العشاء أربع رکعات، وصلاة المغرب ثلاث رکعات مثلاً؟ وأین جاء في القرآن: کیف نصلي؟ وکيفية الجهر و الاخفات في قراءة الصلاة؟ وأمر القرآن الکريم کذلك بالصوم ... ولکن أین جاء في القرآن: عن أي شيء نمسک؟ و جاء في القرآن الحج... ولکن أین جاء بیان جزئيات اعمال الحج بشکل کامل في القرآن؟ وکذلك سائر الاحکام الإلهية ... إذ لم یبین جزئيات و مصادیق الاحکام بشکل کامل في القرآن الکریم، بل جاءت روایات اهل بيت العصمة و الطهارة(عليهم السلام) فبینت المصادیق و الجزئيات.

وأقول بعد بيان هذه المقدمة جواباً علی أسئلتکم: عندما یأمر القرآن الکريم بالحجاب، ویوجب الحجاب علی النساء، یحکم العقل بأن عدم رعاية الحجاب یعني المخالفة والعصیان لأوامر الله في هذه المسألة، ومن خالف حکم الله استحق العقاب، کما لو أمر المولی عبده بأن یقوم بعمل ما، فخالفه العبد، ذمه العقلاء، واستحق العقاب من مولاه، فإما أن یعفو المولی عن عبده، أو یوبخه ویحذّره.

والله هو المولی الحقيقي للعالم بأسره، إذا أمر عبده أن یقوم بعمل ما، فخالفه العبد وعصاه، استحق عقاب الله عقلاً، وحکم العقل باستحقاق العقاب و العذاب، غایة الأمر قد یری الله العبد مهیئأ لطلب العفو، فیعفو عنه، ویقد یعذب عبداً آخر. وعلی کل حال، لا یخلو فعل الله عن الحکمة، وأن من استعد وهیّأ نفسه للتوبة، والقیام بأعمال البر، وکان مستعداً مهیئاً لمغفرة الله وصفحه عنه، فسیعفو الله عنه و یسامحه. وعلی أي حال، ما یتواجد في مسألة الحجاب في نظر القرآن الکریم هو أن لو خالف عقل أحد لمسألة الحجاب، استحق العذاب.

اما في  نظر الأخبار والروایات: لو ماتت المرأة الغیر محجبة من دون توبة، فمن الممکن أن تعذب في العالم الآخر، جزاء لتعمدها علی ترك الحجاب، وتدل علیه بعض اأخبار والروایات، ولکن لیس کذلك أن تقطع کف ید أحد في الدنیا لأجل السفور و عدم تغطیة الشعر، بل إن عذاب عالم الآخرة یتناسب مع اعمال و سلوك البشر، فلو تعمدت امرأة علی ترک الحجاب، فأدی ذلك إلی الفساد في المجتمع، أو تسفر النساء عن شعورهن، فتلحق نار الفساد هذه الضرر بالشباب والرجال، وتحرك فیهم الغریزة العاطفیة والشهوة، ألا یستحق العذاب الالهي في جهنم؟ ولیس هذا وحده للسفور و ترك  الحجاب، بل لکل ذنب ومعصیة، یتبعه في الآخرة نوع من العذاب بحسب نوع تلك المعصیة واستحقاق الذنب.

أما بالنسبة لتألمکم وانزعاجکم من تصرفات بعض الأفراد أو المؤسسات الحکومیة  الخاصة، فإنا وإن لم تتوفر لدينا معلومات عن طریقة تصرفاتهم وطبیعة عملهم، لکن من الممکن أنهم لم یتصرفوا تصرفاً لائقاً وصحیحاً، بل مقبولاً، وفي موارد کثیرة قد تصدر مثل هذه الأخطاء من بعض الجهات الرسمیة أو الحکومیة، ولکن ما نرجوه ونأمله منکم و من طلاب الجامعات والکلیات من ذوي الضمائر الحیة، هو أن لا تقیسوا الإسلام بتصرفات وسلوك صادر عن بعض الأفراد أو الجهات الرسمیة أو الحکومیة، و تقولو: نعم هو هذا الإسلام، بل اعرضوا عملهم علی الإسلام، فإن لم یکن مطابقاً للإسلام، کان عملهم و سلوکهم مخالفاً للقانون الإسلامي.

وعلی هذا، فإن المواجهة السلبیة الحادة التي یرافقها نوع من العنف، ولم تکن هذه التصرفات الصادرة من البعض سلیمة، فإنها لا تمتّ للإسلام بصلة، غایة الأمر أنکم تبدون استیاءکم وکراهیتکم جراء ما یصدر منهم من أفعال وسلوك منحرف، لا أن تنزعجون من الإسلام، وبینهما بون بعید.

أختي العزیزة: أنکم أعقل من تربطوا بین هذه التصرفات الغیر لائقة والغیر سلیمة الصادرة من بعض الأفراد أو بعض المؤسسات الرسمیة والحکومیة، بأحکام الإسلام،وبسبب هذه التصرفات المشینة، أبدیت استیاءك من مسألة الحجاب، وأمثال ذلك.

أما بالنسبة إلی أصل قانون التعامل مع مسألة عدم الالتزام بالحجاب في المجتمع الإسلامي بصورة إیجابیة، فأقول: الحجاب من ضروريات الدين، وعلی الحاکم في المجتمع الاسلامي أن یمنع مظاهر الفسق و الفجور. و في الاسلام قوانين مدنية، علی الناس أن یراعوها في کافة أرجاء العالم.  فهل هناك حریة في التخلف عن القوانین؟ أم نسمي ذلک ممارسة الحریات؟! وفي  أکثر البلدان تطوراً في العالم، لا یسمح للناس بالتخلف عن القوانین وعدم رعایتها؟! و علی کل حال، إن من یختار دینه علیه أن لا یخالف قوانینه، بل یعمل علی ضوئها، وإن لم یتقید بدین أو کان ملحداً علی فرض، إلا أنه یعیش في المجتمع الإسلامي، فعلیه أن یراعي قوانینه، ولا یشذ عن الطاعة لها واحترامها، فممارسة الأعمال الشاذة وغیر الطبیعیة حرام، وعلی الحاکم في المجتمع الإسلامي محاربة هذه المظاهر .

أما ما قلتم: لا إکراه و لا إلزام في الدین، فنقول: نعم، لا إکراه ولا إلزام في أصل قبول الدین، ولکن  بعد قبول الدین، قد یکون إکراه وإلزام في بعض الموارد، لذا فآية: «لا اكراه في الدين»هي لیست بمعنی عدم وجود أي إکراه في الدین، بل تعني أنه قد قبل وارتضي في  کافة المذاهب الإلهیة والمدنیة: أنه لو یتم التصویت علی القوانین في المجتمع، فعلی الجمیع حتی علی من لم یدلوا بأصواتهم أن یراعوها ویحترموها، مع أن کل قانون شرعي أو مدني یتضمن حدوداً وضوابط لاتباعه وأنصاره، ولکل من ارتضاه وقبله.

أختي العزیزة: أمعنوا النظر في هذه المسألة: أن في کل دین، هناك قوانین لمعاقبة السارق، ومثاله، فلو سرق أحد، أو اغتصب المال العام بالقوة، أو تم التعدي علی أحد وظلمه، فعاقبه الحاکم، فسوف لن یعترض أحد: أن لماذا تعاقب السارق؟! ألیس في الدین حریة؟!!  

ومن خلال الالتفات إلی هذه المطالب، سیکون معنی آیة عدم الإکراه في الدین هي: أن الدین وقبوله والاعتقاد به، لیس أمراً اعتقده الأفراد بالاکراه، بل هو أمر قلبي، قام علیه الدلیل، وتطابق مع العقل و البرهان، فکل من أراد اختیاره بإرادته و رغبته، ولا یکون مکرهاً في قبول أصل الدین، فسیقبله أفراده من أعماق قلوبهم ونفوسهم طوعاً لا کرهاً، ولذلك فإن الأفراد الذین یرتضون الدین، لم یکونوا یقبلوه بالإکراه و الإلزام، أما بعد قبوله والاعتقاد به، فعلیهم التمسك والالتزام به والعمل بأحکامه.

أما ما ذکرتم: أن هناك الکثیر ممن یسیئون للحجاب والنقاب اللواتي یرتدینه، و...  فنقول: ینبغي أن أذکر أن المحافظة علی الحجاب هو مقدمة للمحافظة علی العفاف و الحياء، أما ترک الحجاب أو سوء الحجاب فهو مقدمة أیضاً إلی إیجاد الفتنة، وفي الأصل محاربة الفتنة و الفساد، فالفرد السيء العمل من أهل المخالفات مدان، وإن کان مغطی ومستتر بالعباءة، وعلی هذا، فإن  ارتکاب البعض للجرائم والمخالفات التي تصدر من بعض من یتزیین بالحجاب الاسلامي المرتدیات للعباءة والنقاب وأمثالهن، لا یکون دلیلاً أن نقول بعدم لزوم المحافظة علی الحجاب إذاً.

نعم، یدعو الإسلام إلی ستر جسم المرأة تماماً و کافة التخصرات فیه، والتي تسبب نوع من الحساسیة و الإثارة، بأن تلبس الجبة والبنطلون أو العباءة التي تغطي وتستر کل البدن، وفي المجتمع الذي لا یتعارف فیه لبس العباءة، لا یقول الإسلام لها ارتدي العباءة،بل یقول لها: حافظي علی حجابك، بأي ملابس کانت، وبأي طریقة! وإن قدرت ارتدي ما هو متعارف حالیاً من حجاب في المجتمع الغربي، ولا یعین الإسلام نوع الحجاب، بل یطالب بالمحافظة علی الحجاب.

ثم قلت: إن الرجال یفعلون ما یشاءون، وهم أحرار، أما النساء، فلا حریة لهن. أقول: کلا، هذا غیر صحیح، إذ یتساوی الرجل والمرأة من حیث الکرامة الإنسانیة و الحقوق المادية و المعنوية، فکما أن الأحکام و المسئوليات قد وضعت للنساء والسیدات، فقد وضعت أیضاً للرجال و ربما بنسبة أکثر.وتوضیح هذه المسألة وإن لا یمکن حصره في هذه الرسالة، لکننا مضطرون بالإشارة إلی تغطیة بعض المطالب:

لقد ساوی الإسلام بین الرجل والمرأة في القیمة الإنسانیة، وإن کانت الحکمة إبقاء و استمرار الأجیال البشریة، فقد خلق سبحانه وتعالی نوع البشر من کلا الجنسین کسائر المخلوقات الأخری، من ذکر وأنثی، وجعل لکل  منهما وظائف ومسئولیات خاصة قد حددت في عالم الطبیعة، وکل منهما قد تخصص بخصائص متناسبة مع تلك الوظائف والمسئولیات الفطریة والطبیعیة لکل منهما، ولکن لم یجعل هذا التفاوت والاختلاف في الجنسیة وسیلة إلی أفضلیة الرجل، بل إن الرجل والمرأة معاً متساویان في کافة الموارد، والاسلام في الحقيقة ومن خلال الأوامر التي أصدرها، استعاد للمرأة حقوقها، وحفظ لها کرامتها، ولکي تعلموا کیف حافظ الإسلام علی حقوق المرأة، أعیدوا النظرة إلی ما مضی من تاریخ المرأة، وعودوا إلی الوراء قلیلاً.

فنقول علی سبیل المثال: لقد عانت المرأة في الفترة البربریة والهمجیة من مظلومیة أخرجتها من عنوان کونها إنسانة، و عدّتها في قائمة الحیوانات والبهائم والعبید، وکانت تتعرض إلی سیاط أزواجهن الظالمین لهن تحت حجج و أعذار واهیة، وکان بإمکان الزوج أن یهب أو یعیر أو یقرض زوجته للآخر، شأنها کشأن أي موجود آخر، أو یعرضها في سوق عکاظ کسلعة مستهلکة متدنیة لبیعها وشرائها، واحتساب النساء کحیوانات أهلیة، یمکن استخدامها لقضاء الحاجة فقط ودفع الشهوة، وتولید النسل، فیقتلونها في المجاعة والقحط، ویستفادون من لحمها، ویوکلون إلیهن في بعض البلدان المهام الشاقة والصعبة، کبناء العمارات، ورش البذور، والزراعة، والسقایة، ولم یکن الرجال یبدون استعداداً أبداً أن یساعدوا النساء أبداً، ففي الهند مثلاً، حیاة المرأة تتبع حیاة الزوج، فبعد موت الزوج تحرق مع جسد زوجها، وکانت تعیش حیاة الذل والهوان، ولا تقدر أن تتزوج بعد ذلك. 

وقع في القرن الخامس والسادس الميلادي اختلاف بین قادة المذاهب وأنصار السید المسیح علیه السلام: أن هل للمرأة نفس ناطقة و کونها جزء من الإنسان أم لا؟ فتم تشکیل جمعیة تضم عدداً من کبار القساوسة والرهبان لرفع هذا النزاع الذي وقع في عام (576.م) في «ماکون»، وبعد فترة من المحادثات و الحوارات، صدر الرأي النهائي والأخیر وصادقت علیه الجمعیة: أن المرأة تشکل جزءاً من الإنسان، ولکنها خلقت لأجل الرجال فقط، أما في العصر الجاهلي العربي، فقد وصلت مظلومیة المرأة أوجها وأعلاها، لأن المرأة تعرضت إلی أدنی حالات العار والمساوئ، فوصل الحال بها، أن توئد البنات وهن أحیاء تحت أطلال من التراب، أو تفصل رؤوسهن عن أجسادهن، أو یلقون بهن من أعلی الجبال الشاهقات، أو یغرقوهن في الماء، ویخنقوهن، فالعرب في الجاهلیة کانوا یتشاءمون لولادة البنت، «و إذا بشر أحدهم بالأنثی ظل وجهه مسوداً و هو کضیم، یتواری من القوم من سوء ما بشر به أیمسکه علی هون أم یدسه في التراب»، و کانوا یخفون ولادة البنت علی الأقارب والأرحام والأصدقاء، وکأن أسرة هذه البنت الولیدة قد ارتکبوا إثماً لا یغتفر أو جریمة.

فجاء الإسلام، ودخلت حیاة المرأة مرحلة جدیدة، وحصلت علی حقوقها الفردیة والاجتماعیة في ظل التعالیم الجدیدة لأحکام الإسلام، وتحددت في النظام الحقوقي الاسلامي لکل من الرجل والمرأة حقوقهما طبقاً للوظائف الطبیعیة في المجتمع، فمنح النظام الحقوقي الاسلامي للمرأة أفضل الکرامة، ودافع  عن شخصیتها الحقیقیة والحقوقیة  أحسن وأشد الدفاع، فالکرامة التي منحها الإسلام للمرأة لا توجد في أي حضارة قبل الإسلام ولا بعده، وکما أن الله سبحانه وتعالی الحکیم العالم و القادر قد أوجد نظام الکون الأحسن في عالم الخلقة منزهاً عن کل عیب أو نقص، کانت قوانینه التشریعیة من أفضل القوانین، قد شرعت علی أصل المعرفة بکافة المصالح والمفاسد.

ومن تلك القوانین الالهیة المشرعة وضع قانون حول حجاب المرأة، وحافظ بهذا القانون علی المرأة من حیل وألاعیب الشیطان وعبث العابثین، ولا یمکن إنکار هذه الحقیقة: أن هناك فوارق واختلافات کثیرة بین الرجل والمرأة من الناحیة الجسدیة «الجسم» والنفسیة «الروح والعاطفة»، وهذه الفوارق و الاختلافات تعتبر أموراً طبیعیة، قد وضعت لکمال الخلقة، ورفع احتیاجات المجتمع البشري، وهذه الفوارق والاختلافات موجودة أیضاً بین الرجال أنفسهم، فعلی سبیل المثال:

یتساوی کافة البشر في أصل الاستعداد، إلا أنهم یختلفون في خصوصیاته علی أساس الحکمة الإلهیة البالغة، لیتمکنوا من خلال تفتح هذه القابلیات وتفجر الطاقات والکفاءات بتوفیر کافة الاحتیاجات الاجتماعیة في مجالات عدیدة ومتنوعة، فللمجتمع احتیاجات کثیرة، في مجال المواد الغذائیة، وفي مجال الصحة، والإعمار والبناء، و... ولهذا اقتضت الحکمة البالغة، أن تتعدد الکفاءات والاستعدادات لصیانة المجتمع وتوفیر کافة احتیاجاته ومستلزماته، ویمکن من خلال تفجر هذه القابلیات والکفاءات رفع کافة الاحتیاجات عن المجتمع.

وکما أن الفارق والاختلاف في الکفاءات والقابلیات لیس دلیلاً علی أفضلیة إنسان علی آخر، فالزیادة الطبیعیة لأعداد الرجال والنساء یعدّ مسألة طبیعیة أیضاً، في اشتراکهم معاً في أصل الخلقة، أما في نظر طبیعة الخلقة، فهم یختلفون، وهذا الفرق والاختلاف في الرجولة أو الأنوثة إنما هو لتکمیل الخلقة ورفع الاحتیاجات الطبیعیة في الحیاة، والتوصل إلی الکمال في الحیاة الاجتماعیة، لأن الاختلاف في خصوصیة الخلقة، یضمن بقاء النسل البشري ویمهد لإیجاد أرضیة المحبة في داخل المجتمع، والحرکة والسعي نحو الکمال، فإن حصل غیر هذا، حصل نقص في الخلقة، إذ الکمال الاجتماعي یقضي بتواجد الرجل والمرأة معاً، کل حسب طاقته وکفاءته، لممارسة وظائفه و أنشطته الاجتماعیة.

 هذا هو ما یقتضیه نظام التکوین الأحسن والتشریع الإلهي، في رسم سیاسة و بیان دور کل من الرجل والمرأة في المجتمع. ویبدو من خلال حالة ووضع الخلقة، والخلق، والجمال، وجاذبیة جسم المرأة، أن سبب هذا یعود إلی الوظیفة الطبیعیة التي تحملها النساء والسیدات، یعني: الجاذبیة، تربیة الأبناء، إیجاد العاطفة، والمحبة، ولهذا، فإن الحفاظ علی ستر الجسم لازم و فرض علی النساء، أما الرجال فهم لم یخلقوا بهذه الجاذبیة. وکذلك بالنظر إلی بعض الحکم الالهیة الأخری، لم یوجب الاسلام علی الرجال ستر البدن، ولکن لا یحق للنساء أن ینظرن إلی جسم الرجل، ولا یجوز للرجل أن ینظر إلی جسم المحارم من النساء، وعلی کل حال، للرجال وظائف ومسئولیات أصعب من النساء.

 أما ما أشرتم إلیه من المجتمعات الغربية، فأقول: تعرضت مسألة حقوق المرأة والمساواة بین الرجل والمرأة إلی صخب وضجیج وشدّ وجذب في البلدان الغربیة وکذلك البلدان الشیوعیة، مدعیة أنها تدافع عن حقوق المرأة، مستغلة هذه العناوین استغلالا سیئاً: کمسألة حقوق المرأة، الحریة، الدیمقراطیة، و... فسحقوا بأقدامهم کرامة المرأة وشخصیتها بشکل مروع و بأبشع صوره، کعرض صور المرأة وهي نصف عاریة في المجامع  العامة، والدعارة، لیتلاقفها أهل الشهوات والملذات بأیادیهم الملوثة وکأنها دمیة، ولیخلق أصحاب الدعایات المغرضة والخبیثة والانتهازیین لها شخصیة کارتونیة مزیفة، حتی لا تشعر النساء بشخصیتهن المهانة.

وعانت المرأة في التاریخ الجاهلي القدیم من الظلم والتتحقیر والاستخفاف والاستغلال من قبل الرجال، وفي العصر الحدیث أیضاً الذي تری فیه نفسها أنها متحضرة، غایة الأمر أن شکل الظلم والاستغلال الذي عانت منه في التاریخ الجاهلي القدیم یختلف عما تعانیه في العصر الحدیث، وأن کانا معاً عملة واحدة قد أساءا لشخصیة المرأة وإهدار کرامتها في کلا الجاهلیتین، فالفساد والضیاع موجود في المجتمع، وکذلك ممارسة الظلم وسیاسة العنف ضد المرأة، والعمل علی إضاعة حقوقهن الحقیقیة هو لیس بأقل من إضاعة حقوقهن في العصر الجاهلي القدیم، غایة الأمر أن العصر الحدیث یتمثل فیه مقاصد وأغراض استعماریة، وتغطیة الحقائق والمفاهیم الانسانیة، فإن کانت البنات توئد في الجاهلیة القدیمة وهن أحیاء، ففي العصر الحدیث دفنوا العفة، الحیاء، الغیرة، التي تشکل الشخصیة الحقیقیة للمرأة في وحل و مستنقع الرذیلة والفتنة والفساد، ولو کان الأولاد یقتلون في العصور القدیمة، ویجرّون البنات إلی الرذیلة والانحطاط والخدمة والملذات، ففي العصر الجدید، ومن خلال وسائل الإعلام المضلل وتحت عناوین مخادعة وممارسات کاذبة، حاولت القضاء علی روح الشهامة والرجولة، الغیرة، والدفاع عن النوامیس والأعراض عند الرجال، والشعور بالعفة عند النساء وإیقاع الفتیات والنساء في حبائل الشهوات و صیادي العفة والشرف من أصحاب الشهوات والملذات.

وقد قام الغربیون بإدخال النساء لتعمل في المصانع والمعامل التجاریة، الحوانیت، ومراکز الابتذال والفساد الأخلاقي، کالمسارح و المراقص اللیلیة والحفلات، و... برفعها شعارات المطالبة بحریة المرأة والمساواة بین الرجل والمرأة... فأبعدوا المرأة عن حریم العفاف والحیاء والشرف والحجاب، وساقوها إلی ممارسة البغاء والإباحیة، لتکون طعمة سهلة بأیدي الرجال متی شاءوا، وفي الحقیقة، وتحت مسمی الدفاع عن حقوق المرأة وتساویها مع الرجل، لإیقاعها في مصیدة تتشکل من نوعین: اقتصادیة، وإباحیة، وبهذا الأسلوب قضوا علی علی کرامتها، وکذلك و من خلال هذا الواقع، وعبر تبلیغاتهم الکاذبة، تمسکوا بها علی أنها الورقة الرابحة لهم، وأنهم هم وحدهم أصحاب الحق والامتیاز في المجتمع.

النتائج السلوكية للنظام الحقوقي للإسلام والغرب:

1ـ کرامة و هوية المرأة
کان الإسلام سباقا لتحریر المرأة من  الغرب، والغربیون هم مقلدون للإسلام، غایة الأمر أن حریة الإسلام تعني إستعادة كرامتها المنتهكة، أما حریة الغرب فهي السحق بالأقدام علی هویة، كرامة وشخصية المرأة.

الخطوة التي خطاها الإسلام لإحیاء الکرامة والشخصیة الحقیقیة والحقوقیة للمرأة، هو أن وضع فرقاً أساسیاً بینه وبین ما هو موجود في الغرب حول حقوق المرأة، وتقلید الآخرین له، ولا یمکن المقارنة بینهما أبداً، فمع رعایة النظام الحقوقي في الإسلام لأصل العدالة بالنسبة للحقوق الطبیعیة للمرأة، کان قد منحها نوعاً من الکرامة، الحریة، واستقلال الفکر والرأي، واستعادة الهویة الإنسانیة المتناسبة مع المرأة، في مسیر الکمال والقیم والمبادئ. أما النظام الحقوقي في الغرب، فقد ضیع شخصیة و کرامة المرأة، فوصل الأمر بها أن تصاب بفقدان الهویة، وأفراغ القیمة المعنویة والکرامة لها عن محتواه، فأصبح عدیم الجدوی و الفائدة، وجعلها من خلال اعتمادها علی القیم المادیة والإباحیة أن تحرم من اکتساب الکمالات المعنویة، وأصبحت أداة للمنتفعین والمستفیدین من الإباحیة الجنسیة.

ومن هذه الجهة، تسيء الحکومة الأمریکیة إلی الشرائح النسویة وتعرضها إلی أشد وأقسی حالات الأذی والتعذیب الجنسي، وذلك من خلال تقدیم عناصر الشرطة توصیات إلی النساء أن یحملن معن الهراوات والعصي للدفاع عن أنفسهن،في حالة هجوم المشاکسین الأشرار علیهن.        

2ـ مسألة الأسرة
المحافظة علی کیان الأسرة هو من أهم المسائل في المجتمع البشري، واستحکام و قوة أي مجتمع یرتبط باستحکام و تقویة کیان الأسرة، فالمرأة تعد المحور الأصلي فیه، لکونها الأم والزوجة، وهي کالشمعة یحوم أبناءها کالنحل حولها، فیحصلون علی دفء و حرارة  المحبة و العطف منها، ومع تلاشي وانحلال الأسرة، فستتعرض قیم ومبادئ المجتمع إلی خطر السقوط والاضمحلال.

لقد منح النظام الحقوقي في الإسلام الکرامة والشخصیة للمرأة، لیبقی کیان الأسرة دافئاً ومعطاء، وسیقوي وضع القوانین کقانون الحجاب، بالمحافاظة علی العفاف والحياء و.. لنظام الأسرة. ومنح الإسلام للمرأة أیضاً نوعاً من الشخصیة والاستقلال، وأحیی حقوقها الحقیقیة، ولم یلجؤها إلی ممارسة حالات التمرد والعصیان والطغیان ضد جنس الرجل، ولم تسيء الأدب للآباء والأزواج أیضاً أمام البنات والنساء، ولم تزلزل کیان الأسر والعوائل، بل زادت من الوفاء والعشق والحب للزوج والعائلة. أما في المجتمع الغربي، فنظام الأسرة متهرئ خاوي، وفارغ عن المحتوی، لیس فیه شعور و إحساس بتواجد نظام الأسرة، فالنساء تهرب من الزواج غالباً، معتقدات بأنه عبارة عن قیود وحدود للتحلل الجنسي و ممارسة الحریات.

وعلی هذا، زالت العاطفة، العشق، المحبة للزوج والابناء عند المرأة في المجتمع الغربي، ولهذا نشاهد یومیا زیادة حالات الطلاق والانفصال، وسببه: عدم تثمین جهود المرأة في البیت والمنزل، وعدم إعطاء أهمیة وقیمة لکیان الأسرة الهادئ النقي، ولو أن الله سبحانه وتعالی کرّم المرأة، و أعطاها من الثواب الجزیل بسبب عملها في البیت والمنزل، لإبقاء الهدوء في کیان الأسرة.

وبمنح الإسلام الحریة للمرأة، منع أزواجهن من تسلیم زوجاتهم اللواتي ترعرعن في أحضانهم الطیبة الطاهرة، والبنات اللواتي تربین في أحضان آبائهن وأمهاتهن الملیئة بالدفء والحنان، إلی أصحاب رؤوس الأموال والثروات و مراکز الفساد والفحشاء، لأنه بیّن أن رعایة المسائل الأخلاقیة، والمحافظة علی العفاف والحجاب باعتباره أمراً إلزامیاً وفرضاً إلی جانب حقوقهن وحریاتهن، أما حریة المرأة في البلدان الغربیة فقد رافقت نوعاً من اقتتالهن وصراعهن العملي ضد الرجال، وانحلال وسقوط الکیان الدافئ للأسرة، فوصل الأمر إلی انعدام الثقة بین الرجل والمرأة، ومن الطبیعي في مثل هذه المجتمعات، یکون کیان الأسرة الدافئ و المليء بالئام والمحبة قد تفسخ، لأن الرجل لا یثق بزوجته غالباً، ولا أن هذا المولود هل هو ابنه الشرعي أم لا؟ فمع هذا الشک والتردید الذي تنعدم فیه الثقة لا معنی لانتظار و وقع المحبة!! ویکون عدیم الجدوی والفائدة، ومن هذه الناجیة، أصبح کیان الأسرة في المجتمع الغربي والمتغربین مهدداً بالزوال.

3ـ مسألة العاطفة و المحبة
مسألة العاطفة و الانتفاع بها مهمة جداً في النظام الاجتماعي،فوجود العاطفة في الرجال،علی أساس وظائفهم الاجتماعیة،قد وضعت علی عاتقهم بموازاة المسائل الدفاعیة والصلح و القضاء وغیرها،بلا فرق في ذلک،فینبغي أن تکون في حد الاعتدال والتوازن فیها،و زیادة أو نقص العاطفة لدی الرجال سیؤدي إلی ظهور أضرار و أزمات اجتماعیة،و المرأة التي تقوم بواجباتها و مسئولیاتها علی أتم وأحسن وجه وأکمله،ستلعب دوراً هاماً في اعتدال العواطف في الرجال،فلهذا،علی النساء أن یعشن في المجتمع بنحو یجذبن فیه أزواجهن ویسخرن بعواطفهن وأخلاقهن الکریمة،لا أنهم یسخرون بغرائزهن و طبائعهن.  

المسائل العاطفية المرافقة للحکم التکليفي في النظام الحقوقي الاسلامي
مع ضم الاسلام للمسألة العاطفية المرافقة للحكم التكليفي في مورد حقوق المرأة،العلاقات الأسریة والقرابة، یکون قد قوی کیان وقواعد الأسرة التي تعد الثوابت والرکائز الأصلیة للمجتمع، بهذا البیان، أنه من جهة: یکون قد بیّن الحقوق المتقابلة للرجل والمرأة، وبمنح الحریة للمرأة في الأسرة لتحریرها من الأسر والخدمة الإلزامیة للرجل، ومن جهة أخری، یمکن تناول المسألة العاطفیة، ووعد بمنح الثواب والأجر جزاء الخدمة المتقابلة لکل من الرجل و المرأة، في الکیان الدافيء للأسر، فعلی سبیل المثال:

روي عن الامام صادق (ع) أنه قال: «ما من امرأة تسقي زوجها شربة من ماء إلاّ كان خيرا لها من عبادة سنة صيام نهار ها وقيام ليلها ويبني الله لها بكل شربة تسقي زوجها مدينة في الجنة وغفر لها ستّين خطيئة».

و عن رسول الإسلام أنه قال:«جهاد المرأة حسن التبعل» ،وروایات أخری کثیرة حول ثواب خدمة الرجل للمرأة، ومداراتها. وهذه کلها مؤشر علی إیجاد المحبة المشاعر والعواطف الإنسانیة والاجتماعیة التي بینها الاسلام لتقویة واستحکام الأسرة والمجتمع، لکي تنشأ العلاقات الانسانية والاجتماعية السلیمة، ولا تضیع حقوق أحد کذلك.

مسألة العاطفة، في المجتمع الغربي
المجتمع الغربي ومن خلال إیجاد التسیب في الوسط النسوي، وجرهن إلی مقرات الفساد، وإشاعة وترویج أسلوب التحمل، و... سلبوا منهن العاطفة والمحبة، وقضوا في النهایة علی مصدر نقل العاطفة في المجتمع، ولهذا، اتصف المجتمع الغربي بالوحشیة، العنف، وارتکاب الجرائم، وقد ذکرت الإحصائیات أن: «أن أعداد ارتکاب الجریمة کالقتل، والتعرض الجنسي، السرقة، وکافة أنواع الشر، تزداد یوماً بعد یوم في الولایات المتحدة الأمریکیة»، فالعنف والقسوة موجودان في المجتمع الغربي واللاإسلامي، و هو غیر موجود في المجتمع الإسلامي، و سببه وجود العواطف النبیلة الحیة بین المسلمین، و القضاء علیها في المجتمعات الغربیة، «لهذا، ترون العنف في الحروب الغیر إسلامیة،وعدم وجودها في المجتمعات الإسلامیة، و عدم تواجد الحالة السبعیة المتواجدة عند الآخرین عند المسلمین» . 

وعلی کل حال، الرسالة قبل أن یتوقع  أنها طویلة و متعبة، لو دققتم في کافة المسائل،فقد أدخل الغرب صدمة علی النساء لا یمکن التعویض عنها، وبهذا العمل، خان الشریحة النسویة، والمجتمع البشري أیضاً.

وأخیراً أختي العزیزة: لقد راعی الاسلام کافة الشئون والمصالح العائلیة والأسریة، الاجتماعية، الاخلاقية، و... أمر برعاية الحجاب، لیحافظ من خلال هذا الطریق علی العفاف، الحیاء، التدین والالتزام، الشجاعة. وبکلمة واحدة: راعی الإسلام کافة القیم والمبادئ الانسانیة الشریفة والسامیة في العوائل والأسر، وببقاء جذوة وقبس العاطفة والمحبة الأسریة للأبناء، أدی إلی إمکان تربیتها علی أساس المحبة، الحیاء، الشجاعة، الإبداع، و... ومن ثم إیجاد مجتمع قائم علی المحبة والعاطفة، ینتج عنه: توفیر الأمن العام، الرفعة والتسامي العام، والازدهار والتطور في کافة المجالات. وفقکم الله .


۳,۷۰۹ الزيارة

مقام وحقوق المرأة في الإسلام
بتاريخ 22 جمادی الثانی 1434 & الساعة 18:58

هذه أسئلة زوجي وجهها لي، أرجوکم أن تجیبوا علیها بالوثائق المعتبرة، فهو مهم بالنسبة لي جداً، أما سؤالي فهو حول: «مقام المرأة في الإسلام»، فالمرأة وإن حصلت علی مقام رفیع في الأسرة والمجتمع، لیخرجها من مستنقع فساد الجاهلیة، وإعطاء الإسلام لها حیثیة وکرامة، لکن من جهة أخری، وضعها في مجالات ضیقة، وجعلها تعاني من أزمات، وقلل من شأنها، وأدنی من مقامها. وقد عبرت روایات کثیرة عنها بأنه کائن أحمق، عدیم الوفاء، وسبباً للفساد والإفساد.

فلماذا عارض الإمام علي علیه السلام حقوق المرأة؟ أنا امرأة شیعية، وقلبي مليء بالحب و الولاء لأهل البيت(ع)، لکن ماذا أفعل حینما أشاهد من هم علی شاکلتي لا قیمة لهم في کافة الأدیان الالهیة؟ وأنا أخجل من کوني امرأة، وقد فضّل القرآن الرجال علی النساء، وقال: «الرجال قوامون علی النساء» و «فضلنا بعضکم علی بعض». ویخاطب الإمام علي(ع) ابنه الامام الحسن‌(ع) وینهاه عن مشاورة النساء فقال: «إیاکم ومشاورة النساء، فإن فیهن الضعف والوهن والعجز»، وقال رسول الله صلی الله علیه وآله: «إن أقبلت المرآة فهي مثل الشیطان، وإن أدبرت فکذلك مثل الشیطان، وعلی کل حال، هي سارقة الإیمان، خادعة للإنسان، حارفة للقلوب».

ومر رسول الله صلی الله علیه وآله علی نسوة فوقف علیهن، ثم قال: یا معشر النساء، ما رأیت نواقص عقول ودین أذهب بعقول ذوي الألباب منکن، إني قد رأیت أنکن أکثر أهل النار یوم القیامة، فتقربن إلی الله ما استطعن»، وفي روایة أخری: «إني قد رأیت إنکن أکثر أهل النار، فقالت امرأة منهن: یا رسول الله، ما نقصان دیننا وعقولنا؟ فقال: أما نقصان دینکن فبالحیض الذي یصیبکن، فتکث إحداکن ما شاء الله، لا تصلي و لا تصوم، وأما نقصان عقولکن فبشهادتکن، فإن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل». إن هذه المسائل هي أمور غامضة مبهمة و مجهولة بالنسبة لي أن لماذا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ ولماذا نقصان دینهن بالحیض الذي یصیبهن؟ وهل أن الله عزوجل وضع علی النساء الحیض للسخریة والاستهزاء بهن؟ أم لکي تتأذی و تتألم بها عدة أیام؟ أم أنها لصالح المرأة؟ وسبباً لنظافة و طهارة الجسم؟

أم أن مؤلفاً روی حدیثاً عن أمیر المؤمنین علي علیه السلام أنه قال: «اتقوا شرار النساء،و کونوا من خیارهن علی حذر، ولا تطیعوهن في المعروف، فیدعونکم إلی المنکر » ثم علق علیه قائلاً: «لو تأثر الرجل بمطالبات المرأة، وخضع لها في القول، وراعی مشاعرها، فسیحرم من التقدم والنجاح، ولا یلومن إلا نفسه»، فهل أن الامام علي علیه السلام یرفض وبضرس قاطع قبول قولهن؟ أم یری لزوم بقائهن، لتداوم وبقاء النسل وإرضاء الرغبة والشهوة؟ ألیس من أحد یتحامل علی المؤلف ویقول له: «إن الذي تحمل أعباء حملک تسعة أشهر ووضعک ورباک، أکان رجلاً أم امرأة؟» ویقول رسول الله (ص): «لا تنزلوا النساء في الغرف، ولا تعلموهن الکتابة، وعلموهن المغزل، وسورة النور». نعم علی النساء أن تحرم من حق التعلیم، وإبداء وجهات نظرهن، واتخاذهن القرارات، و... وأن تعیش دائماً تابعة ذلیلة.

وروي في حدیث آخر عن رسول الله (ص) أنه قال: «النساء عورة، احبسوهن في البیوت، واستعینوا علیهن بالعري»، وروي عنه (ص) في حدیث آخر: «لو أمرت أحداً أن یسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، إنها لن تقدر أن تؤدي حق ربها ما دامت لم تؤد حق زوجها». یعني أن المرأة هي سقوط وانحطاط للبشریة، اخفوها عن الأعین لکي لا تکون سببًآ لخجلکم واستحیائکم، لأنها حمقاء وإذا سألتکم فاسکتوا. فهل عندنا روایة تقول: إن عبادة الرجل لا تقبل حتی یوفر لزوجته الدعة والراحة والعیش الهنيء؟ أو حتی یکون معها ودوداً عطوفاً؟ آه یاربي! هل هذه هي عدالتك؟

ألم یقل القرآن الکریم:«إن أکرمکم عند الله أتقاکم»؟ فلماذا اعتبر الرجل هو الأفضل؟ ألیس هذا فرق وتمییز فیما لو أصبحت المرأة وزوجها عنها غیر راض، لعنتها الملائکة حتی یصبح الصباح؟«و إن کان الحق معها» یعني أیتها المرأة، علی الرجل أن یستعبدك ولا تتنفسین ولا تنطقین ببنت شفة؟ لأنك إن تنفست، فستکونین ملعونة یلعنك الله وملائکته، ألیس هذا ضعف للإسلام؟ و هل هذا عدل؟ وهل للرجال فقط إیمان خالد لا یزول ولا یتغیر؟ أنني منذ إن عرفت هذه القضایا، ترکت الصلاة، لأنني إن قارنت نفسي مع إخوتي فصلاتهم أکثر قبولاً وإن کان إیماني هو الأقوی فلماذا أصلي؟ وإذا لم تتضح لي هذه الحقائق، فلن أسجد لله أبداً.



الإجابة عن کل هذه الأسئلة بحاجة إلی بحث مفصل، قد یصل إلی کتاب أو مقال، إلا أننا نکتفي بالإجابة علیکم علی حد الرسالة.

لقد أعطى الإسلام أفضل وأعز الكرامة والحق للمرأة، ولکي یتضح هذا الأمر، من الجید أن تقرأ عن تاريخ ما قبل الإسلام عن المرأة، عندما کانت المرأة في أسوأ السلوك البشري ولا تعد جزءاً من الانسان، وکانت تمارس بحقها أبشع الجرائم، فدافع الإسلام عنها، وساواها في جميع المجالات الذاتیة، الاکتسابیة، والحقوقیة مع الرجل.

وقد تناول القرآن الكريم، الرجال والنساء من حيث القيم الإنسانية والمشاعر الروحية في خطاب واحد، کقوله: «ياأيها الناس» و «يا أيها الّذين آمنوا»، فلا یوجد أي اختلاف أو تمییز بين الرجل والمرأة في الخطاب القرآني، بل إن الهدف الرئيسي من تلك الخطابات هو كلا الجنسين - الرجل والمرأة - ، فعند تسلیط الضوء علی حالات الأمم والشعوب السالفة، نشاهد أنهم اعتبروا النساء جزءاً من الحيوانات والشياطين، ولم يكن الناس یومذاك قد آمنوا بأنها مخلوقة أو إنسانة، لکن الاسلام أعلن بصراحة بمساواة المرأة والرجل في الخلق و الهوية الإنسانية، وبیّن أن المرأة هي أحد العنصرین المهمین والنواة الحقیقیة والمکون الأساسي في تواجد الانسان، و أن الفارق الأصلي لکل منهما عن الآخر هو بالتقوی الالهية، فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ‌ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَ‌فُوا إِنَّ أَكْرَ‌مَكُمْ عِندَاللَّـهِ أَتْقَاكُمْ»(الحجرات: 13).

و صرح في آیة أخری و بوضوح أیضاً بتساوي الخلقة بین الرجل والمرأة، وأن الرجل والمرأة قد وجدا من حقیقة واحدة ،ألا وهي الاعتبار بالإنسانیة، قال تعالی: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَ‌بَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِ‌جَالًا كَثِيرً‌ا وَنِسَاءً» (النساء:1)؛ وأما الآیة الثالثة: فمضافاً إلی اعتبار کل من الرجل والمرأة أنهما حقیقة واحدة، فقد أکد علی أن المرأة سکن و مأوی وطمأنینة للرجل فقال: «وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا» (الروم:21).

ولا یفرق القرآن الکريم في امتلاك الکرامة الذاتية بين الرجل والمرأة أبداً، بل یقول علی نحو الاطلاق: «وَ لَقَدْ كَرَّ‌مْنَا بَنِي آدَمَ» (الاسراء:70)، و جملة «بني آدم» هي نص صریح في نوع الانسان، التي تطلق بنحو التساوي علی الرجل والمرأة.

وکذلك القیم والمعاني المکتسبة، فرغم أن العديد من الأمم السابقة لا تری المرأة جديرة بالتدين، معتقدة بأنها کائن شرير، لا یقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً، لکن الاسلام بیّن أن لا فرق بین الرجل والمرأة في قبول العبادات والطاعات، وأن طریق الوصول إلی الکمال والسعادة مفتوح لکلا الجنسین من دون استثناء. واعتبر القرآن الکریم المرأة أنها صنو للرجل في کافة البرامج: التربویة، الأخلاقیة، العلمیة، و... . وأن وصول کلا الجنسین إلی الکمال والسعادة یتوقف علی العمل الصالح،فانتبهوا إلی بعض الآیات في هذا المضمار التي تؤکد علی ذلك:

1ـ قال تعالی: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ‌ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَ‌هُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (النحل:97)، تثبت هذه الآیة أن الحیاة الطیبة تنبعث من باطن و أعماق هذه الحیاة، وتکون سبباً في إضاءة القلب وعلامات الکمال وتقرب الانسان، ویتحقق ذلك بالعمل الصالح للرجل وللمرأة معاً،بلا فرق بینهما.

2ـ «وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ‌ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْ‌زَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ‌ حِسَابٍ»؛ (غافر:40)، في النظرة القرآنیة أن کلاً من الرجال والنساء مرهون بعمله في الحیاة الدنیا وفي الآخرة، الأعمال الصالحة منها أو السیئة، فمن عمل صالحاً یجز به ویثاب علیه، ومن عمل سیئاً یجز به أیضاً ویعاقب، بلا فرق في ذلك بین الرجل والمرأة، فحال المرأة إذاً کحال الرجل في الکرامة الکسبیة.

وکذلك بالنسبة للموارد والحقوق الأخری، یتساوی فیها الرجل والمرأة في النظرة الاسلامیة. فمن المواضیع الحقوقية المهمة: حق اداره الاموال و الثروات والعائدات، فلم تدع الکثیر من الأمم والشعوب السالفة قبل الاسلام بأن المرأة تمتلك حق التملك في القضایا الاقتصادية و غيرها، ولهذا حرموها من مسألة الإرث، فإذا امتلکت المرأة أموالاً بطریقة ما، فلا تسمح تلك الأمم والشعوب السالفة بالتصرف في أموالها المشروعة، وحظر علیها کافة المعاملات الاکتسابیة وغیر الاکتسابیة، کمزاولة مهنة التجارة، والمعاملات والمعاوضات، وسائر التصرفات، فأمر القرآن الکريم في مثل هذه الحالات بأن حال المرأة کحال الرجل من دون فرق و لا تمییز في مزاولة کافة حقوقها المشروعة، ولا یحق لأي أحد أن یتدخل في شئونها، فقال سبحانه وتعالی في بیان جواز ممارسة هذا الحق المشروع: «لِّلرِّ‌جَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ»(النساء:32).

دليل أفضلیة الرجال علی النساء في بعض الامور:
اما السبب في ترجیح القرآن الکريم للرجال علی النساء في بعض الموارد: قوله عزوجل: «الرِّ‌جَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ»(النساء:34). و للإجابة عن هذا الإشکال نقول:
إن الفارق البدني «الجسمي» والنفسي «الروحي» الموجود بین الرجل والمرأة، هو الذي جعل أن یکون لکل من الرجل والمرأة وظیفة محددة ومعینة في شئون الأسرة والمجتمع، فلو انعکست القضیة، واستبدل الرجل بوظائف الممرأة وبالعکس، أو تساویا في ما بینهما في جمیع الوظائف والأعمال، کان هذا خلافاً للفطرة والعدالة الاجتماعیة.

لذا، علی کل منهما ممارسة دوره و وظائفه المناطة به، لیستوفي کافة مزایاه الوجودیة الممنوحة له، مع رعایة الإسلام لهذه العدالة في بعض الممارسات والأعمال الاجتماعیة التي تحتاج نوعاً ما إلی استخدام القوة والعنف أو الظرافة والدقة و نوع من العقلانیة، کإیکاله مهمة إدارة شئون الأسرة، وغیره، ولهذا، قدّم الرجل علی المرأة، ولیس هذا التقدم لأجل أفضلیته في الخلقة علی المرأة، بل لأجل ممارسته وظائفه و حقه الطبیعي، فإیکال الشئون الاجتماعیة والشم الاقتصادي إلی الرجل لتوفیر الاحتیاجات اللازمة وإدارة الحیاة هو الأفضل، وهذه حقیقة لا یمکن إنکارها، أن بین الرجل والمرأة فرق جسدیة وروحیة، وهي أمر طبیعي، وهي لازمة لکمال الخلقة ورفع احتیاجات النوع البشري والإنساني، وهذه الفوارق موجودة بین الرجال أنفسهم أیضاً، فعلی سبیل المثال: یتساوی کافة البشر في أصل الاستعداد، إلا أنهم یختلفون في خصوصیاته علی أساس الحکمة الإلهیة البالغة، لیتمکنوا من خلال تفتح هذه القابلیات وتفجر الطاقات والکفاءات بتوفیر کافة الاحتیاجات الاجتماعیة في مجالات عدیدة ومتنوعة، فللمجتمع احتیاجات کثیرة،في مجال المواد الغذائیة، وفي مجال الصحة، والإعمار والبناء، و...

ولهذا اقتضت الحکمة البالغة، أن تتعدد الکفاءات والاستعدادات لصیانة المجتمع وتوفیر کافة احتیاجاته ومستلزماته، ویمکن من خلال تفجر هذه القابلیات والکفاءات من رفع کافة الاحتیاجات عن المجتمع، فالمجتمع بحاجة ألی طبیب، ومهندس، وزارع و... وکما أن الفارق والاختلاف في الکفاءات والقابلیات لا یکون دلیلاً علی أفضلیة إنسان علی آخر، فالزیادة الطبیعیة لأعداد الرجال والنساء هو مسألة طبیعیة أیضاً، في اشتراکهم معاً في أصل الخلقة، أما في نظر طبیعة الخلقة، فهم یختلفون، وهذا الفرق والاختلاف في الرجولة أو الأنوثة إنما هو لتکمیل الخلقة ورفع الاحتیاجات الطبیعیة في الحیاة والتوصل إلی الکمال في الحیاة الاجتماعیة، لأن الاختلاف في خصوصیة الخلقة، یضمن بقاء النسل البشري، ویمهد لإیجاد وازع المحبة في داخل المجتمع، والحرکة والسعي نحو الکمال، فإن حصل غیر هذا، حصل نقص في الخلقة، إذ الکمال الاجتماعي یقضي بتواجد الرجل والمرأة معاً، کل حسب طاقته وکفاءته، للممارسة وظائفه و دوره الاجتماعي. هذا هو ما یقتضیه نظام التکوین الأحسن والتشریع الإلهي، لرسم سیاسة ودور کل من الرجل والمرأة في المجتمع.

ومضافاً إلی الاختلافات والفوارق الجسدیة، هنا; فوارق أیضاً من الناحیة النفسیة والروحیة في خلقة کلا الجنسین، وهذا أیضاً لأجل إیجاد حالات التوازن والتکافل في الوصول إلی الکمال الاجتماعي. ذکر العالم الفرنسي الفسيولوجي و الجراح في علم البیئة السید «الكسس كارل» المعروف عالمیاً في كتاب «الانسان کائن مجهول»: «خلقت المرأة والرجل مختلفین بحکم قانون الخلقة، وهذه الاختلافات والفوارق تخلق اختلافاً وفارقاً أیضاً في طبیعة العمل والوظائف وحقوقهم»، وقال السید «جاك لوربيت» في كتاب «المرأة أمام المعلم »: «لا شک في اختلاف الرجل والمرأة في القوی الجسدیة والهرمونیة الدماغیة واألحاسیس والمشاعر الطبیعیة،لکن هذه الفوارق والاختلافات لیست دلیلاً علی التدني والتنزل أو الهبوط». و قال العالم الايطالئي «مانتجازا» الاستاد في علم وظائف الأعضاء(الفسیولوجیا) في كتاب «فسيولوجیا المرأة »: «تختلف فسیولوجیا کل من الرجل والمرأة تماماً، ولکن لیس کل منهما أقوی من الآخر، فهذا الاختلاف نتیجة اختلاف المسئولیة والوظیفة».

النقطة المثیرة في کلام هذا العالم و کلام «الكسس كارل» هي القول: «بأن اختلاف الوظائف والحقوق یقوم علی أساس اختلافها الطبيعي، یعني أن کل منهما في نظام الخلقة یتطابق مع الوظیفة التي لها في نظر الخلقة، بأن لها حقوق أیضاً». هذا  بيان لتلك الحقيقة، وهي أن لکل من الرجل والمرأة وظائف و مسئولیات معینة و محددة في نظام الخلقة، وأنهما خلقا علی ضوء تلك الوظائف والمسئولیات من الناحیة الجسدیة «الجسمیة» والروحیة«النفسیة»، فالرجل له بسطة من حیث الجسم، وهو أقوی من المرأة، وکذلك من الناحیة الروحیة والنفسیة، فللرجال قوة في التعقل والتفکیر أقوی من المرأة، أما النساء ففیهن قوة العاطفة والاحساس والمحبّة أقوی من الرجال، فالشجاعة عند الرجال عادة ناتجة عن مواجهة الحوادث، وجعل الرجل بطل هذه الساحة والمیدان.

أما النساء، فقد سبقن الرجال في ساحات الصبر والتحمل أکثر من الرجال، کل هذا بسبب اختلاف وظائف ومسئولیات المرأة والرجل، فعلی سبیل المثال: تعتبر المرأة المنفذ والمدخل الرئیسي والموقع المهم لتواجد الإنسان، ونمو البراعم في أحضانهن، فهي تتناسب جسدیاً أیضاً مع تواجد الحمل وتربیة وتنشئة الأطفال، ولها الحصة الأکبر أیضاً من الناحیة الروحیة والنفسیة في امتلاک العواطف والأحاسیس أیضاً،و قدرتها علی تحویل الذریة الصالحة الملیئة بالمحبة والعاطفة إلی المجتمع. وعلی کل حال، فإن الفارق في الخلقة یفصل وظیفة الرجل والمرأة کلاً عن الآخر، ویحصل التفاوت بینهما أیضاً في الحقوق في بعض الموارد، نظراً لاختلاف وظائفهما ومسئولیاتهما في المجتمع. وقد عمق  قانون الحیاة نوع الصلة والوثاق بین کلا الجنسین الرجل والمرأة، لکي لا یتحقق کمال کل منهما إلا من خلال الآخر، وهذا التنوع في الخلقة، لا یعد سبباً لبقاء النسل البشري والإنساني فحسب، بل سیکون سبباً للتکامل، المحبة، وألفة النوع أیضاً، وإنما یزداد ویضاعف هذا الکمال والألفة فیما لو عمل کل منهما بما أنیط له من وظائف ومسئولیات.

و یظهر من خلال الدقة في المطالب المتقدمة جیداً أن غرض القرآن الکريم من أفضلیة الرجل وقوامه و تقدیمه علی المرأة کما جاء في الآیة 34من سورة النساء، أن لیس هذه الأفضلیة والأرجحیة في الفضیلة والقیم الانسانیة، فکم من النساء من هن أفضل وأرجح ذاتیاً ومعنویاً من الرجال في کثیر من الموارد، لکن المراد من الافضلیة والأرجحیة هو التقدم من جهة الوظیفة، لأن للرجال قابلیة أکثر علی التحمل جسدیاً و روحیاً من النساء في مواجهة الأحداث.

فمن وظائف الرجل الدفاع عن حریم الأسرة، وتوفیر الاحتیاجات والمستلزمات. وبما أن المحافظة علی المرأة والأبناء و توفیر کافة احتیاجاتهم منوطة بالرجل، فإن رئاسة الأسرة وإدارة شئونها قد کفلها الرجل أیضاً، فهذا التقدم إذاً وظیفة طبیعیة للرجل بالنسبة للوظیفة الطبیعیة الأخری للمرأة، لا فرق واختلاف ذاتي وقیمي. ولهذا، فالأسرة، وإن تکفل الرجل إدارة شئونها، فهو مقدم علی المرأة من هذه الجهة، وقد تکون المرأة أفضل من الرجل في القیمة المعنویة بکثیر، فیکون لها وجاهة عند الله والدین أکثر من الرجل.

أما من جهة إشکال الغربیین والمطالبة بحقوق المرأة، وأمثال هذه الأمور، فینبغي أن تدققوا في هذه المطالب، تعرضت مسألة حقوق المرأة والمساواة بین الرجل والمرأة إلی صخب وضوضاء و شد وجذب في البلدان الغربیة، مدعیة أنها مدافعة عن حقوق المرأة، ومستغلة للعناوین استغلالا سیئاً، کعنوان حقوق المرأة، الحریة، الدیمقراطیة، و... وقد داست بالأقدام کرامة وشخصیة المرأة بأبشع ما یتصور، کعرض صور المرأة وهي نصف عاریة في المنتدیات والمجامع العامة، یتلاقفها أصحاب الشهوات والملذات في أوساطهم وکأنها دمیة، ویخلق لها أرباب الدعایات المغرضة والأبواق الخبیثة والانتهازیین شخصیة کارتونیة ساخرة وکاذبة لکي لا تری النساء شخصیتها المهانة.

لقد عانت المرأة في التاریخ الجاهلي القدیم من الظلم والتتحقیر والاستخفاف والاستغلال من قبل الرجال، وفي العصر الحدیث أیضاً تری نفسها أنها متحضرة، غایة الأمر أن شکل الظلم والاستغلال الذي عانت منه في التاریخ الجاهلي القدیم یختلف عما تعانیه في العصر الحدیث، وأن کانا معاً قد أساءا لشخصیة المرأة وإهدار کرامتها في کلا الجاهلیتین، فالفساد والضیاع موجود في المجتمع، وکذلك ممارسة الظلم وسیاسة العنف ضد المرأة، والعمل علی إضاعة حقوقها الحقیقیة هو لیس بأقل من إضاعة حقوقها في العصر الجاهلي القدیم، غایة الأمر أن العصر الحدیث یتمثل فیه مقاصد وأغراض استعماریة، وتغطیة للحقائق والمفاهیم الانسانیة، فإن کانت البنات توئد في الجاهلیة وهن أحیاء، ففي العصر الحدیث قد دفنوا العفة، الحیاء، الغیرة، التي تشکل الشخصیة الحقیقیة للمرأة في وحل و مستنقع الفتنة والفساد والرذیلة، ولو کان الأولاد یقتلون في زمن فرعون، ویجرون البنات إلی الرذیلة والانحطاط والخدمة والملذات، ففي المجتمع الغربي والشیوعي ومن خلال الإعلام المضلل وتحت عناوین وشعارات مخادعة وممارسات کاذبة، کتأجیج الدعوات للمطالبة بحق الحریة وحق مساواة الرجال والنساء، وحاولت القضاء علی روح الشهامة والرجولة، الغیرة، وإماتة روح الحماس للدفاع عن النوامیس والأعراض في الرجال، وإیقاع الفتیات والنساء في فخ  وحبائل الشهوات وأصحاب الملذات، أما الإسلام فقد منح المرأة الحریة والکرامة والشخصیة، واستقلال الفکر والرأي، والاعتراف بحقوقها الطبیعیة رسمیاً.

والخطوة التي قام بها الإسلام في طریق إحیاء ششخصیة المرأة والحقوق الانسانیة والاجتماعیة لها، یختلف تماماً مع ما یمضي في الغرب بما یسمی بحقوق المرأة، ویقلدهم الآخرون في ذلك، ولا یمکن المقارنة بینهما أبداً، ففي الوقت الذي أعطی الإسلام نوعاً من الثقة والاستقلال والشخصیة للمرأة، وأحیی حقوقها الحقیقیة، لم یضطرهم أبداً إلی الإعلان عن حالات العصیان والتمرد ضد الرجل، ولم یقض علی احترام الآباء والأزواج أیضاً عند البنات والنساء، ولم یزلزل کیان الأسرة.

وبعبارة أوضح: استطاع الإسلام ومن خلال ضم صنع الحکم التکلیفي في مورد حقوق النساء وحفظ شخصیتهن، بالعمل علی تقویة المسألة العاطفیة، والعلاقات الأسریة والقرابة وقواعد الأسرة التي تعتبر المکون الأساسي للمجتمع، بهذا البیان: أنه استطاع أن یبین من جهة حقوق الرجل والمرأة بصورة متقابلة، ومنح المرأة حق الحریة في الأسرة، وتحریرها من أسر الخدمة الإلزامیة المفروض علیها، وقال: لا یحق للأزواج أن یفرضوا علی زوجاتهم أي نوع من الخدمة الإلزامیة وحالة من الإکراه، حتی مسئولیة قیام المرأة بالعنایة وتربیة الأولاد، ولکن من جهة أخری، یطرح المسألة العاطفیة.

ویعني بإثابة کل من الرجل والمرأة للقیام بخدمات متبادلة بینهما، هو البدأ بالحراک والسباق للقیام بخدمات فیما بینهما في کیان الأسرة الدافيء، ویمکنکم مشاهدة کافة هذه الروایات في هذا الحقل في کتاب وسائل الشيعة، اما في البلدان الغربية، فقد رافق الاستقلال والحریة للنساء مع نوع من الاقتتال العملي لهن ضد الرجال واضمحلال کیان الأسرة الدافيء، فوصل الحال إلی حد انعدام الثقة بین  المرأة والزوج.

ومن الطبیعي في مثل هذه المجتمعات، أن ینحلّ کیان الأسرة الدافيء و المتحاب، لأن الرجل غالباً ما تنعدم لدیه الثقة بابنه الذي ینتمي له أنه هل هو أبوه حقیقة أم لا؟ وبهذا الشك والتردید هل تبقی تنتظر نوعاً من المحبة الفارغة وعدیمة الجدوی؟ وسیکون نتیجة تفسخ وانحلال الأسرة، مجيء وحلول مجتمع غیر آمن، یتشکل من أشخاص یتصفون بالوقاحة والجلافة والقسوة والخشونة، والتحلل والتفسخ والفساد، فلا خبر للشخصیة الإنسانیة، ولا للأخلاق العامة.

وأخیراً ألفت نظرکم إلی کلام أحد کبار الشخصیات في هذا المضمار، قال: «لقد حرر هؤلاء «الغربیون» المرأة، فسخروا بغرائزهن، دون أن یسخروا بعواطفهن، لکن الاسلام حرر المرأة، فسخرن المجتمع بعواطفهن، ولهذا صنعت مجتمعاً عاطفیاً، ونصّبت الرأفة والرحمة في المجتمع الإسلامي، أما ما یشاهد من فقدان العاطفة في بعض المجتمعات، وقد یحترق أحیاناً أکثر من مائتین وتسعین شخصاًً بین السماء والأرض بسبب هذه القوی الکبری، ویلقون في البحر، أو ما یشاهد من مناطق مثل «حلبچه» وغیرها یصاب أهلها بالتسمم جراء قصفها بالأسلحة الکیمیاویة المحرمة دولیاً، ویرتکبون أبشع المجازر والإبادة الجماعیة بالرجال والنساء و بحق أهلها في مکان واحد، مع أنهم یدعون أنهم یدافعون عن حقوق المرأة، وأحضروا المرأة إلی الساحة والمیدان، وعاشوا مع المرأة، لأنهم سخروا بغریزة و طبیعة المرأة، لا أنهم سخروا بعواطفها، یعني أن الله وهب ذلك الفن  والفضیلة والجمال المسمی بالعاطفة، الرحمة، والرقة للمرأة، فحرموا منه، وأن ما وهبه الله إلی طبیعة المرأة، فقد سلطوه علی أنفسهم، وما وهبته الذات الالهیة المقدسة إلی فطرة وروح المرأة، فقد وهبها بعنوان أنها فضیلة إلی لمرأة، أما العالم المادي، فلم یستفد من الرحمة، العاطفة، العفو والتسامح، العلاج، والرقة، لذا، جاء العالم المعاصر بالمرأة لیعرضها، فازدادت وحشیة المجتمع والطبیعة الإجرامیة.

أما العالم الإسلامي، فقد جاء بالمرأة إلی الساحة، لیکون المجتمع مسخراً بعواطفها، لا مسخراً بغرائزها، وما روي أن: «المرأة عقربٌ»، فهو مشیر إلی الشيء الذي یعاني منه العالم الغربي، اما الرواية عن اميرالمؤمنين (سلام الله عليه) التي قال فیها: «فانّ المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة»؛ فهو یشیر إلی تلك الفضیلة التي یتکامل بها المجتمع الإسلامي، فقال: المرأة عقرب، کأن یستفید الانسان من لسعة العقرب، بأن  یلسع هذا العقرب، ولعل لسعه حلو فیه لذة، لکن مع هذه اللسعة سم، فینبغي العلم بأن المرأة  ریحانة، زهرة.

وأنتم الرجال تتعطرون برائحتها، فلا تعودوا أنوفکم علی شم الروائح النتنة، فهن ریاحین، ویشم منهن روائح العطور، ویمنحنکم العاطفة والدفء، ولهذا لا تشاهدون العنف في المعارك الإسلامیة کما هو مشاهد في الحروب غیر الإسلامیة، ولا تشاهد السبعیة في وسط المسلمین کما هي موجودة عند غیرهم، مع دعوة  النساء إلی الحجاب، إلا أنهن یستفدن من عاطفة المرأة کمحور تربوي، وقد أتی الإسلام بالمرأة في ظلال الحجاب مع سائر الفضائل، لتکون معلمة للعاطفة، الرقّة، العلاج، اللطف، الصفاء والنقاء، والوفاء و أمثال ذلك.

وفي العالم المعاصر، بدءا من المرأة وانتهاء بالمرأة، تأتي فتدخل إلی السوق «کلعبة» لتؤمّن الغریزة، وعندما تأتي المرأة کرأس مال «بالغریزة» إلی المجتمع، فلیست هي بعد ذلك معلمة العاطفة، بل تصدر أوامر الشهوة، لا أوامر العفو والتسامح، ولهذا، لا یشاهد في الغرب أدنی حالات الرأفة والرحمة والشفقة...».



۵,۶۲۳ الزيارة

كثرة المشاكل والإبتلاء بالمصائب والفتن
بتاريخ 21 جمادی الثانی 1434 & الساعة 19:02

الحقیقة هي أنني قد تعبت من کثرة المشاکل والابتلاء بالمصائب والفتن، فوصل بي الحال إلی حد الكفر، وأنا لا أدري ماذا أفعل. وکلما أردت أن أقلل من مأساتي ومشاکلي، سارت بي الأکور إلی أسوأ، وقد زاحمکتم عدة مرات، وذکرتم لي عدة طرق أیضاً، ولکنها لم تؤثر أبداً. فأصبحت عاجزاً عن التفکیر بأي شيء، حتی زاحمتکم مرة أخری، وکنتم آخر طریق قد تبقی لي، فأنا لست إنساناً قلیل الصبر والتحمل، أهرب بسرعة من المواجهة، و لکنني وصلت إلی خط النهایة، فإن کنتم تفکرون بحل لي، أرجوکم أن تذکروه لي . و شکراً



إن ما نقدر أن نقوله لکم هو: أنتم لستم وحدکم عندکم هذه المشاکل، بل إن کل من خلق في هذه الدنیا له مشاکل وابتلاء. ما هو سبب المشاکل؟ ورد في جملة من آیات القرآن الکریم و الروایات المرویة والمستفیضة عن أهل بیت العصمة والطهارة علیهم السلام، أن سبب الابتلاءات التي تحصل للمؤمنین إما بسبب ما یصدر منهم من أفعال عفویة خاطئة وبریئة، أو هي امتحانات واختبارات إلهیة، أو لأجل رفعتهم و علو شأنهم في أعلی الدرجات في الجنة.

وإلیك هذا الإیضاح الموجز لکل من هذه المفردات:

الف) قد یرتکب الانسان بعض الزلات والأخطاء ینتج عنها بعض الابتلاءات والمحن في الحیاة الدنیا، فلکل ذنب ومعصیة أثرها الخاص بها،فبعضها ینتج عنها الفقر، وبعضها الآخر ینتج عنها ابتلاءات و محن آخری، کما أشار إلیه الامام علي(ع) في دعاء كميل قال علیه السلام:« اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِكُ الْعِصَمَ،اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ،اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ الدُّعَاءَ،اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ الْبَلاء»، وعلی أي حال، هذه الابتلاءات والمحن إنما هي کعقوبة علی ذنوبه وآثامه ومعاصیه، وبما أن الله یحب عبده المؤمن، فقد یبتلیه بسبب بعض هذه الذنوب والمعاصي، فتکون عقوبة هذه الذنوب والمعاصي في هذه الدنیا، ویخفف من وزرها في الآخرة، وهذا هو بنفسه من ألطاف الرحمة الالهیة الکبیرة بالعبد المؤمن، أما من یشمله الغضب الالهي، فبدل أن یعاقب بالابتلاءات والمحن في کثیر من الموارد، یزید له في نعمته، لیبتلی في النهایة بالعذاب الألیم في الآخرة.

ب) الامتحانات الالهية
قد تکن الابتلاءات والمحن للامتحان والاختبار الالهي، فمن السنن الکونیة والقوانین الالهیة الثابتة أن یمتحن المؤمنین، کما أشار القرآن الكريم في  آيات عدیدة لهذه المسألة، فعلی سبیل المثال: قال لله سبحانه وتعالی في محکم کتابه المجید:« لتُبْلَوُنَّ في‏ أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ» (آل عمران:186).

وقال أیضاً:«و لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الاَمْوالِ وَ الأَْنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ» (البقرة:155)؛ وقال کذلك:«أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون...»(العنكبوت1-3).

إذاً،لیس للامتحانات والابتلاءات الالهیة إطار محدد ومعین، بل أن کل شخص یبتلی و یمتحن تبعاً لحالاته  النفسیة والعاطفیة والروحیة، ولهذا قال عزوجل في آية آخری أیضاً: «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ»(الانبياء: 35).

ما هي الحكمة في الامتحانات الالهية ؟
إذا کان الله علام بالأمور، فلیست الامتحانات الالهیة لرفع الجهل عن الأمور، بل لیستعرض المؤمن الخالص قابلیاته وکفاءاته، ویظهر استعداداته الباطنیة، فیمتحنه الله عزوجل، إذ إن من الحکم الالهیة إخلاص الانسان المؤمن وإظهار جوهره الإیماني الناصع، فکما أن الذهب إذا صهر بالنار، لتزال منه شوائبه و تظهر ونزاهته في کورة النار، فیبدو منه الذهب الخالص، فکذلك الإنسان المؤمن، إذ یصف الله عزوجل عمل الانسان بکورة البلاء والمحن، لیکون إیمانه خالصاً ناصعاً، وکذلك فصل صفوف المؤمنین بصدق عمن ادعوا الایمان کذباً وزوراً و بهتاناً، فکان إسلامهم مجرد لقلقة لسان، وهذا  هو أیضاً من الحکم والامتحانات الالهیة، کما قال الامام علي(ع): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَ يُمَيَّزُوا وَ يُغَرْبَلُوا وَ يُسْتَخْرَجُ فِي الْغِرْبَالِ خَلْق».

وعلی هذا، یتعرض المؤمنون تناسباً مع درجات إیمانهم وحالاتهم النفسیة والروحیة إلی امتحانات واختبارات الهیة صعبة، ولا ینبغي لأحد أن یتصور أن طریق الایمان والتدین تحفّ به الریاحین والزهور، ویمرّ عبر الحدائق الغنّاء و الخضراء، بل هو طریق ذات الشوکة، فیضع الإنسان المؤمن علی طول هذا المسیر الطویل الذي أمامه أقدامه علی أعتاب هذه الزهور والریاحین، فیکون هذا التصور علامة علی عدم معرفة ماهیة الایمان والدین، ولقد عشعش و سیطر هذا التفکیر والتصور في أذهان بعض المسلمین الذین عاشوا في مکة أنهم إلی متی سیتحملون هذا العذاب، ویتألمون بسبب إیمانهم بالله الواحد الأحد؟

فأنزل الله عزوجل هذه الآیات لرفع هذه الأوهام عن أفکارهم وتصوراتهم؛ فقال سبحانه وتعالی: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبينَ»(العنكبوت/2-3).

ولعل هذه التصورات الغیر طبیعیة و الغیر مأنوسة قد جعلت أهل الإیمان یتصورون: أنهم لا یمکن أن تعرقل المشاکل طریقهم بعد ذلك أبداً، وحصل هذا النوع من التفکیر في أذهان أهل المدینة أیضاً، فقال الله عزوجل لإبطال هذا التصور الخاطئ: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَريب‏»(البقرة: 214).
روي: أن معرکة «أحد» انتهت، فکان حصیلتها وقوع الکثیر من القتلی والجرحی، وسقوط سبعین فارساً من صنادید المسلمین وشجعانهم وقادة جیشهم في المعرکة، «ولکي یبین الله سبحانه وتعالی لهم أن طریق الإیمان والتدین هو طریق ذات الشوکة، یمر بالصعاب والابتلاء»أنزل علیهم هذه الآیة المبارکة: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرينَ»(آل عمران:142).

وعلی أي حال، لمسألة الامتحان والاختبار الالهي بحث واسع وطویل، وأحکامه وحکمه کثیرة لا تعد ولا تحصی أیضاً، فالله یبتلي عباده ویفتنهم، کما فتن الانبیاء والرسل من قبل بشدة البلاء والابتلاء والفتن المریرة.

ج) مضاعفة الاجر والثواب المعنوي
وقد یبتلي الله سبحانه وتعالی عباده المؤمنین لیعلم مدی صبرهم  علی البلاء فیضاعف من درجاتهم المعنویة. روي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ،قَالَ:ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) الْبَلَاءُ وَ مَا يَخُصُّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَ حُسْنِ أَعْمَالِهِ فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وَ مَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَ ضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ».

و روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِه». وقال الامام الصادق علیه السلام: «إن الله لیبتلي أولیاءه لیثیبهم علی ذلك بالأجر والثواب لما لم یذنبوا».

وفي حديث آخر عن رسول الاسلام (ص) قال:«إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جِسْمِهِ فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ». وعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع:«قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلَّا بِالِابْتِلَاءِ فِي جَسَدِهِ».

وبناء علی ما ذکر، علیك أیها الأخ العزیز، أن تفکر في حیاة أناس من البشر الصلحاء ومن لهم کرامة عند الله کالأنبیاء والرسل والأوصیاء علیهم السلام و الأولیاء و عباد الله المؤمنین، وما حلّ علیهم من المحن والبلاء في الدنیا، إو ذلك فیما إذا تعرض غیرهم لمثلها، فتحمّل عبئه ثقیل جداً، وتحملّه صعباً علیهم و شاق.

أنتم سمعتم قصة نبي الله أیوب علیه السلام، وکیف أن الله قد ابتلاه، ففقد ولده و صحته في فترة قصیرة جداً، رغم أنه مقد أصیب بافتقاد الابناء الشباب وهم في مقتبل العمر، وحالة الفقر الشدیدة، وسقم البدن، ولسعة الألسنة النابیة، وسخریة الناس بالنبي أیوب علیه السلام، إلا أنه لم یصدر منه اعتراض أو شکوی علی ذلك، ولم یقل: أي رب،لقد ابتلیتني وامتحنتني، وسأقف في طریقک یوم القیامة، بل کان یشکر ربه في کل حال، فصبر علی قضاء الله وقدره،حتی رفع الله عزوجل عنه کل هذه المحن والابتلاءات العظیمة، فکان علیه السلام سید الصبر والکرامة عند الله، ومثال الصبر والاستقامة عند الناس المؤمنین.

لاحظوا حیاة وسیرة الأئمة من أهل البیت علیهم السلام، فکم عانوا من المحن والابتلاء والبلاء؟ وشاهدوا واقعة کربلاء، فکم من المصائب العظمی والجسام قد مرت علی هذه الذریة الطاهرة من أهل البیت علیهم السلام، ولکن مع کل تلك المصائب والبلاء الذي جری علیهم في کربلاء، کانت أسوة و سیدة الصبر السیدة «زینب الکبری» تتحلی بالصبر، ولم تنبس بشفة اعتراض أبداً، بل قالت علیها السلام تصف ما حل بها بقولها: «ما رأيت إلا جميلا»؛ وحتی في لیلة استشهاد إخوتها وأنصار الإمام الحسین علیه السلام، لم تترک التهجد بنافلة اللیل أبداً.

ففکروا الآن، لعل تعرضکم للمحن والبلوی هو نوع من الامتحان والاختبارالالهي، ولعل فیه جهات أخری أیضاً، ولعل بعض الروایات صرحت بأن خیر العبد في المحنة والابتلاء في الدنیا، واقتضاء حکمته أن یبتلیه ویمتحنه. وتتعلق الاجابة للدعاء و التوسلات ببعض الشروط أیضاً، فإذا لم تتحقق هذه الشروط، فسوف لن یستجاب الدعاء. ویحب الله عزوجل کذلك أن یسمع صوت عبده واستغاثته به، فیکون ذلك سبباً في أن تؤخر استجابة دعوته، وقد یری ربه أن خیره وصلاحه في عدم استجابة الدعاء، فیدخرها له علی أن رفعة و درجة معنویة في عالم الآخرة، وبما أننا نجهل الحکم الالهیة، فقد نتصور أن کل ما نطلبه من الله، علی الله الإجابة؛ وأن یکون الأئمة علیهم السلام واسطة في الإجابة، مع أن هناك حکم-بکسر الحاء وفتح الکاف- أخری نحن نجهلها في هذا العالم أیضاً .

إن الله سبحانه وتعالی لا یبتلي أحداً من دون سبب، فهو یحب عباده أکثر من حب الأم لولدها،حاولوا أن تسیطروا علی أفکارکم، ولا تنخدعوا بالوساوس الشیطانیة،ولا تسودوا صفحتکم الناصعة البیضاء في ارتباطکم مع الله، فما شاهدته في رسالتکم، هي علامات من وساوس الشيطان، الذي یحاول القضاء علی کل ما اکتسبتموه من ثواب وأجر من کل تلك الامتحانات والابتلاءات والمحن التي مررتم بها وعانیتمم من أجلها، لتنسحبوا خاسرین فاشلین من ساحة الامتحان والاختبار الالهي، فلا تلتفتوا إلی وساوسه،فتخسروا في الدنیا والآخرة، ولا تقنطوا من رحمة  الله، ولا تفقدوا أملکم به، لأن ذلك ذنب عظیم و من کبائر الذنوب، وقنوط من رحمة الله، وهي تبعد الإنسان عن خیر الدنیا والآخرة، ولا تفقدوا أملکم برحمة الحق، وقووا ارتباطکم وثقتکم بالله في کل حال. فإذا کان ارتباط الانسان وعلاقته بالله سلیمة، وتوکلنا علی الله، فسیبین الله له طریق الخروج من هذه المشاکل، ویهیيء له أسباب رفعها.



۵۰,۲۱۵ الزيارة

ما الدليل على الصعوبات والمشاكل التي يتعرض لها الانسان
بتاريخ 21 جمادی الثانی 1434 & الساعة 18:15

ماالدلیل علی الصعوبات والمشاکل التي یتعرض لها الانسان في الحیاة؟ وما المصلحة له في ذلك؟ ولو لم تکن هذه الابتلاءات والصعوبات والآلام التي یتعرض لها الانسان بهذه السعة فأي مشکلة یمکن أن تحصل جراء ذلك؟



الدنیا دار امتحان ومشقة، لا دار دعة و استکانة و رفاهیة، وقد ورد في الروایات والأخبار أن الدعة والاستکانة والراحة والاطمئنان والسکینة هي کلها متوفرة في الجنة، لکن البشر یبحث عنها في الدنیا، ولن یصل إلیها أبداً، فکل نعمة في الدنیا یصاحبها ابتلاءات و غربلة، فما السبب في ذلك؟

ورد في جملة من آیات القرآن الکریم و الروایات المرویة والمستفیضة عن أهل بیت العصمة والطهارة علیهم السلام، أن سبب الابتلاءات التي تحصل للمؤمنین إما بسبب ما یصدر منهم من أفعال عفویة خاطئة وبریئة، أو هي امتحانات واختبارات إلهیة، أو لأجل رفعتهم و علو شأنهم في أعلی الدرجات في الجنة.

وإلیك هذا الإیضاح الموجز لکل من هذه المفردات:

الف) قد یرتکب الانسان بعض الزلات والأخطاء ینتج عنها بعض الابتلاءات والمحن في الحیاة الدنیا، فلکل ذنب ومعصیة أثرها الخاص بها، فبعضها ینتج عنها الفقر، وبعضها الآخر ینتج عنها ابتلاءات و محن آخری، کما أشار إلیه الامام علي(ع) في دعاء كميل قال علیه السلام: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ الدُّعَاءَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ الْبَلاء»، وعلی أي حال، هذه الابتلاءات والمحن: إنما هي کعقوبة علی ذنوبه وآثامه ومعاصیه، وبما أن الله یحب عبده المؤمن، فقد یبتلیه بسبب بعض هذه الذنوب والمعاصي، فتکون عقوبة هذه الذنوب والمعاصي في هذه الدنیا، ویخفف من وزرها في الآخرة، وهذا هو بنفسه من ألطاف الرحمة الالهیة الکبیرة بالعبد المؤمن، أما من یشمله الغضب الالهي، فبدل أن یعاقب بالابتلاءات والمحن في کثیر من الموارد، یزید له في نعمته، لیبتلی في النهایة بالعذاب الألیم في الآخرة.

ب) الامتحانات الالهية، قد تکن الابتلاءات والمحن للامتحان والاختبار الالهي، فمن السنن الکونیة والقوانین الالهیة الثابتة أن یمتحن المؤمنین، کما أشار القرآن الكريم في آيات عدیدة لهذه المسألة، فعلی سبیل المثال: قال لله سبحانه وتعالی في محکم کتابه المجید: «لتُبْلَوُنَّ في‏ أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ»(آل عمران:186).

وقال أیضاً: «و لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الاَمْوالِ وَالأَْنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة:155)؛ وقال کذلك: «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون...»(العنكبوت1-3). إذاً، لیس للامتحانات والابتلاءات الالهیة إطار محدد ومعین، بل أن کل شخص یبتلی و یمتحن تبعاً لحالاته النفسیة والعاطفیة والروحیة، ولهذا قال عزوجل في آية آخری أیضاً: «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ» (الانبياء: 35).

ما هي الحكمة في الامتحانات الالهية؟ إذا کان الله علام بالأمور، فلیست الامتحانات الالهیة لرفع الجهل عن الأمور، بل لیستعرض المؤمن الخالص قابلیاته وکفاءاته، ویظهر استعداداته الباطنیة، فیمتحنه الله عزوجل، إذ إن من الحکم الالهیة إخلاص الانسان المؤمن وإظهار جوهره الإیماني الناصع، فکما أن الذهب إذا صهر بالنار، لتزال منه شوائبه و تظهر ونزاهته في کورة النار، فیبدو منه الذهب الخالص، فکذلك الإنسان المؤمن، إذ یصف الله عزوجل عمل الانسان بکورة البلاء والمحن، لیکون إیمانه خالصاً ناصعاً، وکذلك فصل صفوف المؤمنین بصدق عمن ادعوا الایمان کذباً وزوراً و بهتاناً، فکان إسلامهم مجرد لقلقة لسان، وهذا  هو أیضاً من الحکم والامتحانات الالهیة، کما قال الامام علي(ع): «لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَ يُمَيَّزُوا وَ يُغَرْبَلُوا وَ يُسْتَخْرَجُ فِي الْغِرْبَالِ خَلْق».

وعلی هذا، یتعرض المؤمنون تناسباً مع درجات إیمانهم وحالاتهم النفسیة والروحیة إلی امتحانات واختبارات الهیة صعبة، ولا ینبغي لأحد أن یتصور أن طریق الایمان والتدین تحفّ به الریاحین والزهور، ویمرّ عبر الحدائق الغنّاء و الخضراء، بل هو طریق ذات الشوکة، فیضع الإنسان المؤمن علی طول هذا المسیر الطویل الذي أمامه أقدامه علی أعتاب هذه الزهور والریاحین، فیکون هذا التصور علامة علی عدم معرفة ماهیة الایمان و الدین، ولقد عشعش و سیطر هذا التفکیر والتصور في أذهان بعض المسلمین الذین عاشوا في مکة: أنهم إلی متی سیتحملون هذا العذاب، ویتألمون بسبب إیمانهم بالله الواحد الأحد؟

فأنزل الله عزوجل هذه الآیات لرفع هذه الأوهام عن أفکارهم وتصوراتهم؛ فقال سبحانه وتعالی: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبينَ»(العنكبوت/2-3).

ولعل هذه التصورات الغیر طبیعیة و الغیر مأنوسة قد جعلت أهل الإیمان یتصورون: أنهم لا یمکن أن تعرقل المشاکل طریقهم بعد ذلک أبداً، وحصل هذا النوع من التفکیر في أذهان أهل المدینة أیضاً، فقال الله عزوجل لإبطال هذا التصور الخاطيء: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَريب‏»(البقرة: 214).

روي أن معرکة «أحد»انتهت، فکان حصیلتها وقوع الکثیر من القتلی والجرحی، وسقوط سبعین فارساً من صنادید المسلمین وشجعانهم وقادة جیشهم في المعرکة، «ولکي یبین الله سبحانه وتعالی لهم أن طریق الإیمان والتدین هو طریق ذات الشوکة، یمر بالصعاب والابتلاء» أنزل علیهم هذه الآیة المبارکة: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرينَ»(آل عمران:142).

وعلی أي حال، لمسألة الامتحان والاختبار الالهي بحث واسع وطویل، وأحکامه وحکمه کثیرة لا تعد ولا تحصی أیضاً، فالله یبتلي عباده ویفتنهم، کما فتن الانبیاء والرسل من قبل بشدة البلاء والابتلاء والفتن المریرة.

ج) مضاعفة الاجر والثواب المعنوي، وقد یبتلي الله سبحانه وتعالی عباده المؤمنین لیعلم مدی صبرهم  علی البلاء فیضاعف مندرجاتهم المعنویة. روي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع) الْبَلَاءُ وَ مَا يَخُصُّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَ حُسْنِ أَعْمَالِهِ فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وَ مَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَ ضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ».

و روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ:«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِه». و قال الامام الصادق علیه السلام:«إن الله لیبتلي أولیاءه لیثیبهم علی ذلک بالأجر والثواب لما لم یذنبوا». وفي  حديث آخر  عن رسول الاسلام(ص)قال:«إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جِسْمِهِ فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ». و عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع:«قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلَّا بِالِابْتِلَاءِ فِي جَسَدِهِ».

و بناء علی ما ذکر، علیك أیها الأخ العزیز، أن تفکر في حیاة أناس من البشر الصلحاء ومن لهم کرامة عند الله کالأنبیاء والرسل والأوصیاء علیهم السلام و الأولیاء و عباد الله المؤمنین، وما حلّ علیهم من المحن والبلاء في الدنیا، إو ذلك فیما إذا تعرض غیرهم لمثلها، فتحمّل عبئه ثقیل جداً، وتحملّه صعباً علیهم و شاق.

أنتم سمعتم قصة نبي الله أیوب علیه السلام، وکیف أن الله قد ابتلاه، ففقد ولده وصحته في فترة قصیرة جداً، رغم أنه مقد أصیب بافتقاد الابناء الشباب وهم في مقتبل العمر، وحالة الفقر الشدیدة، وسقم البدن، ولسعة الألسنة النابیة، وسخریة الناس بالنبي أیوب علیه السلام، إلا أنه لم یصدر منه اعتراض أو شکوی علی ذلك، ولم یقل: أي رب، لقد ابتلیتني وامتحنتني، وسأقف في طریقك یوم القیامة، بل کان یشکر ربه في کل حال، فصبرعلی قضاء الله وقدره، حتی رفع الله عزوجل عنه کل هذه المحن والابتلاءات العظیمة، فکان علیه السلام سید الصبر والکرامة عند الله، ومثال الصبر والاستقامة عند الناس المؤمنین.

لاحظوا حیاة وسیرة الأئمة من أهل البیت علیهم السلام، فکم عانوا من المحن والابتلاء والبلاء؟ وشاهدوا واقعة کربلاء، فکم من المصائب العظمی والجسام قد مرت علی هذه الذریة الطاهرة من أهل البیت علیهم السلام، ولکن مع کل تلك المصائب والبلاء الذي جری علیهم في کربلاء، کانت أسوة و سیدة الصبر السیدة «زینب الکبری» تتحلی بالصبر، ولم تنبس بشفة اعتراض أبداً، بل قالت علیها السلام تصف ما حل بها بقولها: «ما رأيت إلا جميلا»؛ وحتی في لیلة استشهاد إخوتها وأنصار الإمام الحسین علیه السلام، لم تترك التهجد بنافلة اللیل أبداً.

ففکروا الآن، لعل تعرضکم للمحن والبلوی هو نوع من الامتحان والاختبارالالهي، ولعل فیه جهات أخری أیضاً، ولعل بعض الروایات صرحت بأن خیر العبد في المحنة والابتلاء في الدنیا، واقتضاء حکمته أن یبتلیه ویمتحنه. وتتعلق الاجابة للدعاء و التوسلات ببعض الشروط أیضاً، فإذا لم تتحقق هذه الشروط، فسوف لن یستجاب الدعاء. و یحب الله عزوجل کذلك أن یسمع صوت عبده واستغاثته به، فیکون ذلك سبباً في أن تؤخر استجابة دعوته، وقد یری ربه أن خیره وصلاحه في عدم استجابة الدعاء، فیدخرها له علی أن رفعة و درجة معنویة في عالم الآخرة، وبما أننا نجهل الحکم الالهیة، فقد نتصور أن کل ما نطلبه من الله، علی الله الإجابة؛ وأن یکون الأئمة علیهم السلام واسطة في الإجابة، مع أن هناك حکم - بکسر الحاء وفتح الکاف - أخری نحن نجهلها في هذا العالم أیضاً .


۴,۷۶۳ الزيارة

دليل كلام أمير المؤمنين عليه السلام حول النساء وتعدد الزوجات
بتاريخ 20 جمادی الثانی 1434 & الساعة 20:07

سألتکم من قبل عندي مجموعة من الأسئلة، آمل أن أجد لها إجابة محددة، وأنجو من هذا الضیاع والتشتت. مع وجود التساوي بین حقوق المرأة والرجل في الاسلام فلماذا سن التکليف في البنت 9 سنوات والولد 15 سنة؟ (لأرید أن تجیبوني بشطارة أن هذا یعد نوعاً من التکريم للمرأة، لأنني أبحث عن دليل منطقي) مع شکري الجزیل لکم.

أنتم ذکرتم: لا یلزم أن نقول: إنه تکریم للمرأة، بل أن البلوغ نوعاً ما في المرأة یقع في هذا السن، وهذا هو سبب البناء و النظام الجسمي والنفسي الذي أودعه الله في وجودها، فهي کالشجرة تنمو قبل الأشجار الأخری. مضافاً إلی ذلك، هذه المسألة هي من الأمور التعبدیة، فإن لم ترغبوا في القول بتکریم المرأة، فأنتم مختارون في ما یعنیکم، وأنتم وشأنکم فیما تختارون، لکن الحقیقة هي أن الأنثی لها من الدرك والفهم والاستیعاب والعقل أکثر من الذکر. وبعبارة أخری: البلوغ هو امر تکويني، وإن تدخل الشارع في هذا المورد، هو من باب الارشاد.

والآن أرید أن أسأل: هل أن السماح بأربع زوجات یعد تکریماً للمرأة؟ أو قول الإمام علي علیه السلام کما روي في نهج البلاغة: «المرأة ناقصة العقل» هل هو تکریم للمرأة؟ وکذلك سائر التناقض؟ أنا ومن هم علی شاکلتي علی ثقة بما نقوله في أنفسنا ولکني لا أعلم لماذا وضع الإسلام کل هذا؟ فکان له خطاب مدهش و عجیب مع وجود کل هذه القوانین للمرأة؟ ثم یقول: نحن نکرّم المرأة، نحن لا نقول أن هذا صحیح في أماکن أخری کالغرب، لکن الاسلام الذي نأمله و ندعیه لماذا لا تتاسب بعض قوانینه مع العقل؟ إن سبب امتعاضي و شدتي في أسلوب النقاش هنا هو أنني التقیت برجل بهائي سألني هذه الأسئلة، وقد کان هذا الأمر ثقیلاً جداً باعتباري شیعي أن لماذا توجد هکذا حقیقة؟ طالعت کتاب الاستاذ المطهري فهدئت من روعي قلیلاً، ولکنني عندما أسأل شخصاً لماذا قانونا ودستورنا في الحقوق المدنیة ناقص؟ یجیبني فیقول: «کان الاستاذ المطهري مفکراً،لا فقیهاً یرید أن یحکم أو یفتي،أو یشرع القوانین، لذلک بیّن رأیه فقط!».



أما الجواب عن السؤال الاول: دليل تعدد زوجات:

لا علاقة للزواج بتکريم أو عدم تکريم النساء أو الرجال، بل یطرح بعنوان کونه مسألة طبيعية ومن  ضرورات ومقتضیات الحیاة أیضاً. ولو تعرفتم علی تاریخ مظلومیة النساء والکرامة التي منحها وأولاها الإسلام للنساء، وأخذتم بنظر الاعتبار مصالح ومفاسد الاحکام الاسلامية، فسیتغیر رأیکم حقاً.

کان یرافق مسألة تعدد الزوجات قبل الاسلام نوعاً من الاستخفاف والتحقير جداً، لا یمکن حصرها في حد معین أبداً، حیث أخرجوا النساء من عداد البشر، واعتبروها في عداد الحیوانات والبهائم، وکان أصحاب المزارع والأملاك یسیئون إلی النساء، باستخدامهن في المشاغل والأعمال الشاقة والصعبة، و استفادتهم من کدّ یمینهن وعرق جبینهن، وکانت طبقة الأشراف والسادة فیهم یختارون عدداً کبیراً من النساء في ملذاتهم ومتعهم اللامشروعة. والأسوأ من ذلك کله، أن بعض الزواج یقعون علی النساء  علی شکل مجامیع، بمعنی أن طائفة من الرجال یتزوجون طائفة من النساء، فقد جرت العادة في «تبت» أن عدد من الإخوان یتزوجون عدد من الأخوات، بنحو لا یعلم أيّ أخت هي زوجة لأي أخ؟

لقد نسخ الإسلام وألغی تماماً امتلاك عدة زوجات، بخلاف امتلاك عدة أزواج، رعایة للمصالح والمفاسد، بل حدد ذلك وقیده، فهو من جهة، حدد عدد الزوجات، ومن جهة أخری، وضع شروطاً، وعلی ضوء هذه الشروط، لم یسمح لأي شخص أن یختار العدید من الزوجات، ونظراً لقیام الإسلام علی الحکمة البالغة والمصالح والمفاسد الاجتماعية والأسریة، ففي مجال تعدد الزوجات أیضاً، أکد علی ضرورة دفع المفسدة ورعایة المصلحة.

فلنأخذ هذه الجهات علی سبیل المثال:

1ـ أکدت الإحصاءات الرسمیة: أن عدد النساء في أصل الخلقة أکثر من الرجال، ولو أخذنا علی سبیل المثال حالات الحرب والحوادث الأخری والعلل الغیر طبیعیة التي تنتزع الرجال بالدرجة الأولی کضحایا، فأعداد الرجال أقل بکثیر من أعداد النساء، فإذا قرر أن یکون لکل رجل امرأة واحدة، فإن الکثیر من النساء ستبقی إلی آخر عمرها بدون زوج،فیجبروهن في نهایة الأمر علی ارتکاب البغاء والفضائح الجنسیة والفساد والشذوذ والانحلال اللاأخلاقي في المجتمع.

2ـ تتعرض المرأة أحیاناً لعاهات وأمراض مزمنة ومستعصیة، فیلجأ الرجل في هذه الحالة لرفع غرائزه الجنسية بالقیام بأعمال تتنافی مع العفة والشرف.

3ـ تأتي الدورة الشهریة عادة للنساء في کل شهر، وفي هذه الفترة، لا یقدر الأزواج من مجامعة زوجاتهم، ویسبب هذا بنفسه نوعاً من المشاکل في المجتمع.

وقد ذکرت الاحصائیات العالمیة إحصاءات عن منع تعدد الزوجات في البلدان الغیر إسلامیة، وتزاید أعداد أولاد الزنا والغیر شرعیین، جراء الفساد الجنسي والبغاء للرجال والنساء، و فیما یتعلق بالجهات المذکورة أعلاه، فقد سمح الإسلام للرجال أن یتزوجوا أربعة زوجات کحد أعلی مع رعایة الشروط والعدالة، ولا تتعارض هذه أبداً مع عفة وکرامة المرأة.

وتعدد ازواج الرجل إلی أربعة طبعاً مع رعاية الشروط، وهو بنفع نوع النساء أیضاً، إذ لو انحصر الزواج بواحدة، فستبقی الکثیر من النساء بلا أزواج إلی آخر عمرهن، فیلجأن إلی ممارسة البغاء و الفساد اللاأخلاقي.

الجواب عن السؤال الثاني:

اما بالنسبة «لکون النساء ناقصات العقول»: کما ورد في کلام أمير المؤمنين(ع) فللإجابة عن هذا السؤال، یلزم بدایة الإشارة إلی عدة أمور:

1ـ معيار تفوق الرجال والنساء کل منهم علی الاخر کما صرح به القرآن الکریم هو "التقوى والفضيلة" و المخطيء والعاصي هو ناقص العقل، ولو کان رجلاً، و المتقي الفاضل کامل العقل وإن کانت امرأة أیضاً.

2ـ صفة "نقص العقل" الواردة في الروایات لیست حكرا على النساء، بل إن هذا الوصف ینسب إلی الرجال أیضاً، وقد يعزى ذلك إلى نوع الإنسان بشکل عام. فیقول الامام علي(ع) مثلاً: «إعجاب المرء بنفسه دليل علي ضعف عقله» حیث عد الإعجاب والتركیز على الذات أو الأنانیة، سبباً في نقص العقل. وفي روایة أخری: «اتباع الهوی سبب لافتقاد العقل». وعلی هذا، فلعل ما ورد حدیث في نقص عقل المرأة، هو من ضمن هذه المجموعة من الأحادیث، من اجل ان التعبير عن الحالة الإنسانية التي من المحتمل أن تأتي، وأولئك الذين يتصفون بصفة الإعجاب بالنفس،التکبر، الغطرسة، والأنانية..سیقل أداءهم ونشاطهم العقلي، ویصابون بضآلة العقل، أما إذا أزیلت هذه الصفات من الداخل عبر التربية و تهذيب النفس، فستوضع حواجز أداء وتنویر العقل جانباً، وتعود الى الطبيعة البشرية الخصبة، وینضج العقل البشري الطبیعي لیکون خصباً مرة أخری، ومن ناحية أخرى، فإن فهمنا لإدراك معنى ومقصود بعض الأحاديث النبوية محدود و ناقص جداً.

فعلى سبيل المثال، الحديث المروي عن الإمام (ع) في تشبیه المرأة بالضلع الأعوج، قال: "مثل المرأة مثل الضلع الأعوج إن اقمته کسرته". لیس الغرض من الاعوجاج معناه الظاهري، لأن الضلع لا یمکن إقامته أبداً، بل فیه إشارة إلی أهمیة الظلع في الجسم، کونه حافضاً لأسراره ومولداً للدم، و... والمرأة  أيضا كاتمة لأسرار الأسرة، وهي مصل الدم الذي یجري في عروق الأسرة، وسبباً في تدفق الحیاة  في المجتمع  ...  وإنما یکون للضلع فاعلیته وأداءه فیما لو کان له وضعه المناسب، وإلا، فإن أراد أحد إقامته انکسر، فلا یکون بعد ذلك حافظاً وکاتماً للأسرار، ولا مولداً للدم «أي یفقد فاعلیته وأداءه».

ونقول مضافاً إلی ما تقدم: العقل الذي ذکره الإمام علي علیه السلام، و روي في نهج البلاغة حول المرأة: قد یکون بمعنی العقل التجربي أو الآلي، یعني أن العقل الذي هو محل النظر هو «العقل الآلي»، الذي یستخدم في تدبیر الشئون المادیة والدنیویة، ولا علاقة له بالعقل الکامل أبداً، إذ إن ملاك انسانية الانسان لا تختلف في الرجل والمرأة، فیما لو أراد کل منهما أن یتقرب بواسطته إلی الله عزوجل، ویصل إلی السعادة والكمال. وإن قلة و ضآلة العقل الآلي في المرأة له صلة و ارتباط دقيق و وثیق بالمسئولية الملقاة علی عاتقها بشکل طبيعي و تكويني.

وبعبارة آخری للانسان في هذه الحیاة احتیاجات ومستلزمات عدیدة، وکل منها یتطلب آلیاتها الخاصة بها، فقد خلق الله عزوجل الرجل والمرأة في نظام الوجود الجمیل بشکل خاص جمیل، وأبدع في صنعه، وامتاز کل منهما بخصائصه وسماته الذاتیة المعنیة به، وجهز کل منهما بأدواته الخاصة، فجعل المرأة کیان العطف والمحبة والسحر والجذب والجمال، والرجل مظهراً للقدرة و التدبیر، وبهذا، للنساء أفضلیة علی الرجل في بعض الجهات، والرجل في جهات أخری، وکل منهما یحمل علی عاتقه رسالة متناسبة مع حالاته وخصائصه، وکل منهما أیضاً مکمل للآخر، وتتماشی الحیاة علی أساس ذلك الکیان المليء بالمحبة والصفاء والتدبیر.

3ـ علینا أن نفکر جیداً في محتوی أي کلام یصدر من أي أحد، فالاستدلال الذي ذکره علیه السلام، وذکر في تعقیب الروایة، هو توجیه جید جداً لکلامه علیه السلام. أما قوله علیه السلام: «لأنهن ناقصات الإیمان»، فهو لیس بالمعنی الذي نتصوره نحن وأنتم، لأن الله یضرب للمؤمن مثالاً في القرآن الکریم، ویضع لهم أسوة وقدوة، فیقول: «ضرب الله للمؤمنین مثلاً امرأة فرعون-کأسوة وقدوة-» والقرآن الناطق يعني اميرالمؤمنين(ع)، هو أعلم من غیره بطرق القرآن البتةً.

وردت هذه الخطبه بعدرجوع عائشة من حرب الجمل، فبین علیه السلام نفحة من نفحات خصائص النساء. اما «نقص الايمان» فقالوا: تحرم المرأة علی الرجل بسبب طمثهن وقعودهن عن العبادة في کل شهر، ولیس معنی ذلک أن لا إیمان لهن فترة الحیض، بل یعلم من خلال القرینة التي ذکروها آن غرضه علیه السلام من نقص الایمان، هو النقص في العبادات، وقد شرع ذلك رفقاً بالنساء.

«نقص عقولهن»، في المقارنة بأحاسیسهن ومشاعرهن، إذ إن عواطف ومشاعر النساء ملازمة لعواطف الأمومة والعطف والحنان، وینبغي أن تکون أکثر من الرجال، ولهذا قد یتخذن قرارات خاطئة أحیاناً، کما فعلت عائشة في حرب الجمل.

امّا «نقص حظّوظهن» من الأرث فبسبب: أن العبأ الأکبر في الحیاة یقع علی عاتق الرجل غالباً، وعلی هذا، أنیطت إدارة الأسرة في کل المذاهب والأدیان إلی  الرجل،وذلک بسبب الفارق والاختلاف الجسمي والبدني.

وبالنتیجة: فإن ثقل أعباء المسئولیة قد أنیط بالرجال دون النساء، وأنتم وإن شاهدتم نماذج عن المرأة في المجتمعات الغربیة، کقولهم: بتساوي الرجل مع المرأة، إلا أنه لا یمکن أن نشاهدهن في عملیة إشراکهن في اتخاذ القرارات الحاسمة والمهمة، إلا في موارد قلیلة، وأکثر هذه الموارد هي تلك التي یرافقها تبعات سیئة، و یعزی هذا إلی وجود التفاوت والاختلاف في الخلقة بین الرجل والمرأة، إذ خلق کل منهما لهدف معین.

وکذلك مسألة قضاء وشهادة امرأتین أمام شهادة رجل واحد، فإن اشتعال وغلیان مشاعرهن وأحاسیسهن یجعلهن غیر مستعدات للإدلاء بشهادتهن أمام القضاء، لیعاقب المجرم علی ما ارتکبه، وبسبب شدة العواطف والرأفة من قبلهن علی شخص، أنهن لو کن واحدة، فقد تشهد بعکس ذلك. والخلاصة لا فرق بین الرجل والمرأة في الرؤیة والمنظار القرآني و الرسول الاکرم (ص) واوصيائه علیهم السلام من الناحیة الانسانية و البشریة .

وأن ما یستفاد من کلام امير المؤمنين(ع) هو: انطباقه علی علم النفس عبر الدراسة والتحلیل الدقیق لهذه الشریحة في  المجتمع. مضافاً إلی ذلك، أنه علیه السلام أراد أن ینبه جماعة أرادوا أن یلتحقوا برکب امرأة، ویضرموا فتیل فتنة کبری في الإسلام، وینبّه الأجیال في المستقبل إلی أن المرأة خلقت للأمومة والحضانة والزوجیة، ولتکون مصدراً للعطاء والحیاء والعفاف، ومقراً للعطف والحنان، وأن تکون مربیة وأستاذة، لکنها في نفس الوقت، قد تکون أضعف من الرجل في بعض الموارد، إما بشکل طبیعي وإلهي، أو باختیارها.

وهذا من لوازم النظام الالهي الأحسن، ومن هذه الجهة، ینبغي أن تتواجد في المکان المناسب بها، ولا تترك موقعها شاغراً. و لکننا في الوقت نفسه تعلمنا ذلك من معارف قرآن و النبي صلی الله علیه وآله و امير المؤمنين علیه السلام واولاده المعصومین علیهم آلاف التحیة والثناء أن لا فرق بین الرجل والمرأة عند الله في نیل الکمالات، ویمکن لکل منهما أن یکون أسوة وقدوة للإنسان العابد والمؤمن بالله عزوجل، کما ذکر سبحانه وتعالی «امرأة فرعون» في القرآن الکریم، علی أنها الأسوة والقدوة للمؤمنین.

وختاماً من الضروري التأکید علی هذه النقطة، وهي: أن الأحاسیس والمشاعر التي تمتلکها النساء أو سائر الخصائص المتوفرة فيها، هو لیس إرادة تقلیل قیمتهن المعنویة والروحیة والإیمانیة، فلا فرق بین الرجل والمرأة في نظر الاسلام في القیمة الانسانیة، غایة الأمر أن الرجل والمرأة خلق کل منهما علی نحو یختلف بخصائصه عن الآخر، ویعود السبب في ذلك إلی الوظائف الخاصة المناطة بکل منهما، أما في الکرامة البشریة والانسانیة، فهم متساوون. فکم من النساء من تعادل لوحدها کافة رجال العالم بل هي أفضل منهم جمیعاً کالسیدة فاطمة الزهراء(س)، والسیدة مريم(س)، و السیدة آسيه(س) و ... فهذه النسوة أفضل کل المخلوقات عدا المعصومین والأنبیاء علیهم السلام.


۱۱,۸۰۵ الزيارة